فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 181

اختلف أهل التأويل في صفة الادناء الذي أمرهن الله - سبحانه وتعالى - به

فقال بعضهم: هو أن يغطين وجوههن ورؤوسهن فلا يبدين منها إلا عين واحدة،

وممن قال بذلك:

حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية، عن ابن عون، عن عبيدة في قوله تعالى:

{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} ، فلبسها عندنا ابن عون، قال ولبسها عندنا محمد، وقال محمد ولبسها عندي عبيدة، قال ابن عون بردائه، فتقنع به فغطى أنفه وعينه اليسرى، وأخرج عينه اليمنى، وأدنى رداءه من فوق حتى جعله قريبًا من حاجبه أو على الحاجب. (أي أنهم كلهم لبسوا العباءة بنفس الطريقة لتوضيح ما المقصود بالجلباب والله تعالى أعلم) .

وقال آخرون: بل أُمِرنَ أن يشددن جلابيبهن على جباههن، وممن قال بذلك:

حدثني محمد بن سعد قال حدثني أبي [1] قال حدثني عمي [2] قال حدثنى أبى [3] عن أبيه عن ابن عباس في قوله تعالى {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ} إلى قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} قال كانت الحرة تلبس لباس الأمة فأمر الله نساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، وإدناء الجلباب أن تقنع وتشده على جبينها [4] .

(قلتُ) : اعلمي أن التقنع يطلق على تغطية الوجه وبهذا التفسير تتوافق هذه الرواية لما قبلها ومعلوم أن التوفيق بين القولين في كلام العقلاء واجب مهما أمكن وأن ضرب أحدهما بالآخر لا يجوز.

وقال حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة قوله في هذه الآية أخذ الله عليهن إذا خرجن أن يقنعن علي الحواجب وقد كانت المملوكة إذا مرت تناولها الفساق بالإيذاء فنهي الله الحرائر أن يتشبهن بالإماء.

وقال العالم ابن حيان الأندلسى [5] : أنّ قوله تعالى {وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ} يدل دلالة قاطعة على أنّ جميع نساء المؤمنين (الحرائر والإماء) مكلفات بالحجاب، وأنهن داخلات في هذا الخطاب العام الشامل،

(1) . هو سعد بن محمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفى

(2) . هو الحسين بن الحسن بن عطية العوفى

(3) . هو الحسن بن عطية بن سعد بن جنادة العوفى

(4) . هو عطية بن سعد بن جنادة العوفى الجدلى القيسى أبو الحسن الكوفى

(5) . العلامة محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين أبو حيان الغرناطي الأندلسي الجياني النفزي فقيه ظاهري، ولد في غرناطة سنة 654 هـ، أخذ العربية في غرناطة على أبي الحسن الأبذي وأبي جعفر الطباع، كما درس في مالقة على القرطبي، وفي بجاية على أبي عبد الله محمد بن صالح، وفي تونس على أبي محمد عبد الله بن هرون، وفي الإسكندرية على الحافظ عبد النصير المريوطي، وفي مصر على عبد العزيز الحراني وابن خطيب المزة وأبي الطاهر المليجي، ودرس الحديث في مصر على العلامة ابن دقيق العيد والنحو على الشيخ بهاء الدين بن النحاس .. وكان أبوحيان جامعًا للمعارف الإسلامية، ملمًا باللغات الشرقية، يقول عنه تلميذه الصفدي:"ثبت فيما ينقله، محرر لما يقوله، عارف باللغة ضابط لألفاظها، وأما النحو والتصريف فهو إمام الدنيا في عصره فيهما، ولم يُذكر معه أحد من أقطار الأرض، وله اليد الطولى في التفسير والحديث، وتراجم الناس وطبقاتهم وتواريخهم وحوادثهم". ويقول عنه السيوطي:"نحوي عصره ولغويه ومفسره ومحدثه ومقرؤه ومؤرخه وأديبه".ومن أشهر أعمال أبي حيان وأعظمها هو تفسيره الضخم البحر المحيط الذي يُعد قمة التفاسير التي عنيت بالنحو، وليس له مثيل، وله أيضًا: ارتشاف الضرب من لسان العرب، التذييل والتكميل، إتحاف الأريب بما في القرآن من الغريب، النافع في قراءات نافع، الأثير في قراءة ابن كثير، تقريب النائي إلى قراءة الكسائي، الإدراك في لسان الأتراك، نور الغبش في لسان الحبش، و ... غيرها. توفى بالقاهرة سنة 745 هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت