وضمانه، ولا نتفق بأي شكل من الأشكال مع أي من المسيحيين الذين يعتبرون وعود العهد القديم بمثابة إضفاء للشرعية على المطالبة بالأراضي الحالية لدولة إسرا ئيل"."
وفي مقدمة كتاب (الأساطير المؤسسية الإسرائيلية) يفضح جارودي حقيقة الصهيونية، ويعرفها بما عرفت به نفسها، فقد و ضح:
1 ـ أنها عقيدة سياسية نشأت منذ عام 1896 حيث ارتبطت بالحركة السياسية التي أسسها"تيودور هرتزل".
2 ـ أنها عقيدة قومية لم تولد من اليهودية، بل من القومية الأوروبية في القرن 19، ولم ينتسب مؤسسها"هرتزل"إلى دين، حيث يقول: (إننى لا أنقاد لأي دافع ديني، فأنا غنوصي"أي من اللا أدريّة وهو لاتهمه الأرض المقدسة، حيث يقبل بأوغندا أو طرابلس أو قبرص أو الأرجنتين أو موزمبيق أو الكونغو. ولكن أمام معارضة أصدقائه ـ من أصحاب الديانة اليهورية ـ فإنه يعي أهمية الأسطورة القديمة: لأنها تؤلف صيحة للم الشعث ذات قوة لا تقهر، وهو ما صرح به عندما حول أسطورة العودة القديمة إلى حقيقة تاريخية في قوله:"إن فلسطين هي وطننا التاريخي الذي لاينسى. . . وإن هذا الاسم وحده سيظل صيحة لم الشمل القوية لشعبنا"."
3 ـ أن الصهيونية عقيدة استعمارية، وهنا أيضآ لا يُخفي"تيودور هرتزل"أهدافه حيث توجه"هرتزل"نحو التاجر الاستعماري"سيسيل ردوس"الذي استطاع أن يحول شركته إلى دولة جنوب أفريقيا، حيث كانت إحدى مقاطعاتها تسمى باسمه"روديسيا"وقد كتب"هرتزل"إليه يقول:"قد تتساءل: لماذا أكتب إليك يا سيد ردوس؟ ذلك أن برنامجي هو برنامج استعماري، فالصهيونية عقيدة سياسية وقومية استعمارية".
تلك هي الخصائص الثلاث التي تشرح السياسة الصهيونية التي انتصرت في مؤتمر بازل في أغسطس 1897، والتي انتصر بها"تيودور هرتزل"مؤسسها الميكيافيللي، واستطاع أن يقول في نهاية هذا المؤتمر:"لقد أسست الدولة اليهودية"."وبالفعل وبعد مضى نصف قرن، كانت هذه هي السياسة التي سيطبقها بالضبط تلامذته بإنشاء دولة إسرائيل طبقًا لأساليبه وتبعًا لخطه السياسي ـ وذلك في أعقاب الحرب العالمية الثانية".
"ولكن هذه العملية السياسية والقومية والاستعمارية، لم تكن بأي حال من الأحوال امتدادًا للديانة اليهودية، بدليل أنه في نفس وقت انعقاد مؤتمر بازل انعقد مؤتمر"مونتريال"في أمريكا 1897، ليعارض قرارات مؤتمر"بازل"، وهنا نجد"تعارضًا"جذريا بين قرائتين للتوراة، وهما القراءة السياسية والقبلية الصهيونية، والقراءة الروحانية للديانة اليهودية، ومما جاء في قرارات"مونتريال"المعارض لهرتزل ما يلي:"
"إننا نشجب تماما أي مبادرة تهدف إلى إنشاء دولة يهودية، وإن أي محاولات من هذا القبيل تكشف عن مفهوم خاطئ لرسالة إسرائيل، ونؤكد أن هدف اليهودية ليس هدف سياسي ولا قومي، ولكن روحي، فهو يشير إلى عصر مسيحي، حيث يعترف كل الناس بأنهم ينتمون إلى طائفة واحدة كبرى لإنشاء مملكة الرب على الأرض" (60) .
"وهذه المعارضة للصهيونية السياسية المستوحاة ـ من التمسك بروحانية الديانة اليهودية، ما فتئت تعبر عن نفسها ـ حتى في أعقاب الحرب العالمية الثانية ـ حيث لم تفلح الصهيونية في تكميم أفواه كبار اليهود الروحانيين مثل (مارتين بوبر) أحد الأصوات اليهودية الكبرى في هذا القرن،"