* عن طارق بن شهاب - رضي الله عنه - قال: أول من بدأ بالخُطبة قبل الصلاة يوم العيد مروانُ [1] ، فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة، فقال: قد تُرك ما هنالك، فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( من رأى منكم منكرًا، فليغيِّره بيدِه، فإن لم يستطعْ فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) ) [2] .
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أفضل الجهاد كلمةُ حق عند سلطانٍ جائرٍ ) ) [3] .
قال المصنف - رحمه الله: قال أبو زكريا النووي - رحمه الله - في شرح مسلم [4] : وقد يتعين الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر - يعني يصير فرضَ عين - كما إذا كان في موضعٍ لا يَعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، كمن يرى زوجتَه أو غلامه أو ولده على منكَر أو تقصير في المعروف؛ انتهى.
ثم قال: واعلم أن مقتضى فرض الكفاية أنه إذا قام به البعض حاز الأجرَ الجزيل من الله - تعالى - وسقط الحرجُ عن الباقين، ولكن يشترط في سقوط الحرج هنا أن يكونَ الساكتُ عن الأمر والنهي إنما سكت لعلمه بقيام مَن قام عنه بالفرض، فإن سكت ولم يعلم بقيامه، فالظاهر - والله أعلم - أنه لا يسقط عنه الحرجُ؛ لأنه أقدم على ترك واجب عمدًا.
فائدة
* قال إمام الحرمين - رحمه الله - في الغياث [5] : والذي أراه أن القيام بفرض الكفايةِ أفضل من فرض العين؛ لأنه لو تَرك المتعيِّنَ اختَص هو بالإثم، ولو فعله اختص بسقوط الفرض، وفرضُ الكفاية لو تُرك أثِم الجميعُ، ولو فعله سقط الحرجُ عن الجميع؛ ففاعله ساعٍ في صيانة الأمَّة عن الإثم.
(1) (( مروان هو ابن الحكم، أحد ولاة معاوية رضي الله عنه، وكان على المدينة، قال الذهبي: إن مروان لا يُعدُّ في أمراء المؤمنين، بل هو باغٍ خارجٌ على ابن الزبير، ولِي عهده إلى ابنه"عبد الملك"؛(تاريخ الخلفاء للسيوطي) .
(2) (( رواه مسلم(1/ 50 - كتاب الإيمان - باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان .... ) ، وليس البخاري - كما ذكر المصنف - وكذلك رواه أحمد والأربعة من حديث أبي سعيد الخدري؛ صحيح الجامع (6226) ، مشكاة (3/ 5137) .
(3) (( رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وحسنه من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: (( أفضل الجهاد مَن قال كلمة حق عند سلطان جائر ) )، وصححه الشيخ في المشكاة (26/ 3705، 3706) وصحيح الجامع (1111) من حديث أبي سعيد عند ابن ماجه، ومن حديث أبي أمامة عند أحمد وابن ماجه والطبراني والبيهقي في الشُّعب، وعن طارق بن شهاب عند أحمد والنسائي والبيهقي.
(4) (( الإمام النووي: محيي الدين، أبو زكريا، يحيى بن شرف بن مري بن حسن النووي، وُلد سنة إحدى وثلاثين وستمائة بنوى، من كبار أئمة المذهب الشافعي، من أشهر أعماله"شرح صحيح مسلم"، توفي بنوى سنة ست وسبعين وستمائة.
شرح مسلم [1/ 50] : كتاب الإيمان، باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان.
(5) (( إمام الحرمين: ضياء الدين، أبو المعالي، عبدالملك بن عبدالله بن يوسف الجُويني، قال السبكيُّ: هو إمام الأئمة على الإطلاق، أعلم المتأخِّرين من أصحاب الشافعي، ولد سنة تسع عشْرة وأربعمائة، وتوفي سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، و"الغِياث": كتاب له سماه (( غياث الأمم ) )، وهو كتاب مشهور، كثيرًا ما ينقل عنه فقهاءُ نجد، ذكره في هامش تنبيه الغافلين.