فصل
شروط المنكِر (فاعل الإنكار) :
يشترط لإيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكَر - اتفاقًا بين العلماء - ثلاثةُ شروط: الإسلام، والتكليف، والاستطاعة.
واختلفوا في شرطين هما: العدالة، والإذْن من الإمام.
(1) الإسلام: فلأن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نُصرةٌ للدين، فلا يقوم به من هو جاحدٌ لأصل الدين: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} [النساء: 141] .
(2) التكليف: فإنه شرطٌ لوجوب سائر العبادات، فلا يجب الأمر والنهيُ على مجنون أو صبي؛ لأن القلم مرفوع عنهما.
ولكن لو أنكر الصبيُّ المميز جاز وأثيب على ذلك، ولم يكن لأحد منعُه؛ لأنها قربة إلى الله، وهو من أهل أدائها لا من أهل وجوبها؛ قاله الغزالي [1] والرافعي [2] والنووي - رحمهم الله - وغيرُهم، ولا أعلم في ذلك خلافًا؛ فإنه ليس لأحد منعُ الصبي من كسر الملاهي، وإراقة الخمر، وغيرها من المنكرات، والله أعلم.
(3) الاستطاعة: فلقوله - تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة: 286] ، ولقوله - صلى الله عليه وسلم: (( ما نهيتُكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ) ) [3] ، وقد يكون وجود الاستطاعة كعدمها أحيانًا، فيسقط الوجوب مع وجودها، كما إذا خاف على نفسه، أو ما له مفسدةٌ أعظم من مفسدة المنكَر الواقع.
(1) (( الإمام الغزالي: أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، حجة الإسلام، صاحب"إحياء علوم الدين"، من كبار أئمَّة الشافعية، وُلد بطوس سنة خمسين وأربعمائة، وتوفي بها سنة خمس وخمسمائة؛ [طبقات الشافعية للحسيني] .
(2) (( الإمام الرافعي: شيخ الإسلام، أبو القاسم، عبدالكريم بن محمد بن عبدالكريم بن الفضل القَزويني، من كبار فقهاء الشافعية، صاحب:(فتح العزيز في شرح الوجيز للغزالي) ، توفي سنة أربع وعشرين وستمائة، وله ستة وستون سنة؛ [طبقات الشافعية للحسيني] .
(3) (( رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظه، صحيح الجامع(5786) ، كما رواه ابن ماجه عنه بلفظ: (( ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فانتهوا ) )، صحيح الجامع (5528) ، كما صح من رواية أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه عنه بلفظ: (( ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان من قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه ) )، صحيح الجامع (3524) .