فصل
شروط المنكَر (الفعل المنكَر)
(1) يشترط في الفعل الذي يجب إنكارُه أن يكون منكَرًا [1] ، سواء كان صغيرة أو كبيرة؛ إذ لا يختص وجوب الإنكار بالكبائر دون الصغائر، ولا يُشترط في كونه منكرًا أن يكون معصية، فإن من رأى صبيًّا أو مجنونًا يشرب الخمر فعليه أن يريق خمره ويمنعَه من شرابه، وكذا من رأى مجنونًا يزني بمجنونة أو بهيمة وجب عليه منعُه وإن كان في خَلوة، وإن كان هذا لا يسمى في حق المجنون معصية.
(2) ويشترط أيضًا أن يكون المنكَر موجودًا (( يعني مستمرًّا ) )، فمن فرغ من شرب الخمر مثلًا، لم يكن لآحاد الرعية الإنكارُ عليه بغير الوعظ إذا صحا من سُكْره، بل الأفضل لمن رآه أو علم به أن يسترَ عليه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم: (( من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة ) ) [2] .
* ومحل الستر فيما إذا لم تصلِ الحدود إلى الحكام، فإذا وصلت إليهم بالطريق الشرعي لم يجُزْ سترُه، وتحرمُ الشفاعة فيه [3] .
قال الإمام النووي في شرح مسلم: وإنما يندب السترُ على من كان من ذوي الهيئات [4] ؛ (مثل العلماء وأولياء الأمور) ونحوهم، ممن ليس معروفًا بالأذى والفساد، فأما المعروفُ بذلك فيستحب ألا يُسترَ عليهم، بل يرفع قصته إلى ولي الأمر إن لم يخَفْ من ذلك مفسدة؛ لأن الستر على هذا يُطغيه ويطمِّعه في الإيذاء والفساد وانتهاك الحرمات، فلو لم يستر على من يندب الستر عليه بل رفعه إلى السلطات ونحوه لم يأثم [5] بالإجماع، لكن هو خلاف الأَولى؛ اهـ.
(1) (( منكرًا: تتأذى به الفطرة السليمة في ضوء ما عُلِم من الدين بالضرورة.
(2) (( قال في هامش الأصل: هو جزء من حديثٍ رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن عساكر عن أبي هريرة، اهـ؛ كشف الظنون.
قلت: وأزيد: رواه ابن ماجه وابن الجارود عنه أيضًا، كما قال الشيخ في صحيح الجامع تخريجًا لحديث رقم (6263) ، الذي قال: إنه في الأحاديث الصحيحة (2341) .
(3) (( تحرم الشفاعة فيه لقوله - صلى الله عليه وسلم - لأسامة بن زيد حين كلَّمه في شأن المخزومية التي سرقت: (( أتشفع في حد من حدود الله؟ ) )، ثم قام فاختطب ثم قال: (( .... وايم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها ) )متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها.
وكذلك لِما ورد عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( تعافَوُا الحدودَ فيما بينكم، فما بلغني من حدٍّ فقد وجب ) )؛ أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم، وهو حديث حسن، حسَّنه الشيخ في صحيح الجامع (2951) .
(4) (( لِما ورد عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أقيلوا ذوي الهيئات عثراتِهم، إلا الحدودَ ) )، حديث صحيح رواه أحمد، والبخاري في الأدب، وأبو داود؛ كما قال الشيخ في صحيح الجامع (1196) .
(5) (( لم يأثم؛ لأن الأمر في الحديث السابق على وجه الندب، وليس على الوجوب، فهو من باب العفو وإتمام المروءة.