فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 242

* وأما المنكَر الذي يُعلم بقرائن الحال أنه سيوجد فلا إنكار فيه إلا بالوعظ، بشرط أن يكون صاحبُه معترفًا بعزمه عليه، فإنْ أنكر عزمه عليه لم يجُزْ وعظُه، فإن فيه إساءةَ الظن بالمسلم فإن قيل: ينبغي أن نقول هذا فيمن خلا بأجنبية، أو وقف ينظر إلى النساء الأجنبيات؛ لأنه ربما لا يقدم على الفسق أو يعترف بعزمه عليه، قلنا: إنما أنكرنا عليه من حيث إن الخَلوة معصية والنظرة معصية في ذاتها، لا من حيث إننا نتوقع به معصيةً قد لا يقدم عليها، والله أعلم.

(3) ويشترط أيضًا أن يكون المنكَر ظاهرًا بغير تجسس، فكل من ستر معاصيه في داره وأغلق عليه بابه لا يجوز لأحد أن يتجسسَ عليه.

* قال الإمام الماوردي [1] :"ليس للمحتسب أن يبحثَ عما لا يَظهر من المحرمات، وإن غلب على الظن استسرارُ قوم بها لأمارةٍ وآثار ظهرت، وذلك على وجهين:"

أحدهما: أن يكون في ذلك حرمةٌ يفوت استدراكها، مثل أن يخبره مَن يثق بصدقه أن رجلًا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها، فيجوز له في مثل هذا الحال أن يتجسسَ ويقدم على الكشف والبحث؛ حذارًا من فوات ما لا يُستدرك، وكذلك لو عرف ذلك غيرُ المحتسب من المتطوعة جاز لهم الإقدام على الكشف والإنكار"، (قلت: والأمر مداره التقوى) ."

(1) (( الإمام الماوردي: أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري البغدادي الماورديّ، ولد بالبصرة سنة أربع وستين وثلاثمائة، وتوفي سنة خمسين وأربعمائة من كبار أئمة الشافعية، له كتاب معروف: (( الأحكام السلطانية والولايات الدينية ) ).

أورد في كتابه: الباب العشرون، في أحكام الحِسبة: الحسبة هي أمرٌ بالمعروف إذا ظهر تركُه، ونهي عن المنكر إذا أظهر فعله، (( وعليه فالمحتسب هو والي الحسبة من قِبَل الحاكم ) ).

وهذا وإن صح من كل مسلم فالفرق فيه بين المتطوع والمحتسب من تسعة أوجه:

1 -أن فرضه متعيِّن (( أي فرض عين ) )على المحتسب بحكم الولاية، وفرضه على غيره داخلٌ في فروض الكفاية.

2 -أن قيام المحتسب به من حقوق تصرُّفه الذي لا يجوز أن يتشاغلَ عنه، وقيام المتطوع به من نوافل عمله الذي يجوز أن يتشاغل عنه بغيره.

3 -أن المحتسب منصوبٌ للاستعداء إليه (( شكوى الاعتداء ) )فيما يجب إنكارُه، وليس المتطوع منصوبًا للاستعداء.

4 -أن على المحتسب إجابةَ من استعداه، وليس على المتطوع إجابته.

5 -على المحتسب أن يبحث عن المنكرات الظاهرة ليصلَ إلى إنكارها، ويفحص عما تُرك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعة بحثٌ ولا فحص.

6 -أن له أن يتخذ على إنكاره أعوانًا؛ لأنه عمل هو له منصوبٌ وإليه مندوب، ليكون له أقهرَ، وعليه أقدر، وليس للمتطوع أن يندب لذلك أعوانًا.

7 -أن له أن يعزِّر في المنكرات الظاهرة، لا يتجاوز إلى الحدود، وليس للمتطوع ذلك.

8 -أن له أن يرتزق على حسبته من بيت المال، ولا يجوز للمتطوع أن يرتزق على إنكار المنكر.

9 -أن له اجتهادَ رأيه فيما يتعلق بالعرف دون الشرع، وليس هذا للمتطوع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت