تغيِّرهم، وأن ينزل العذابُ بأولئك القوم فلا يسلموا منه، فرأوا أن مجاورة السِّباع وأكلَ البقول خيرٌ من مجاورة هؤلاء في نعيمهم، ثم قرأ: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الذاريات: 50] ، وقال: ففرَّ قومٌ، فلولا ما جعل الله - جل ثناؤه - في النبوة ما جعل، لقلنا ما هم بأفضلَ من هؤلاء فما بلَغنا أن الملائكةَ لتلْقاهم وتصافحهم، والسحاب والسباع تمر بأحدهم فيناديها فتُجيبه، ويسألُها أين أُمِرت فتجيبه، وليس بنبيٍّ.
قال المصنف: وقال حذيفة - رضي الله عنه: يأتي على الناس زمانٌ لأن تكونَ فيهم جيفةُ حمار، أحبُّ إليهم من مؤمنٍ يأمرهم وينهاهم.
ثم قال: ووالله إن هذا لهو الزمان الذي ذكره حذيفة؛ لأن من تصدى في هذا الزمان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثقُل على القلوب، وإن كان خفيفًا، وسمج في العيون، وإن كان لطيفًا، ورُمي بالكذب، وساءت فيه الظنون، وقُصد بالأذى فكثر أعداؤه، وقل أصدقاؤه، ورُمي وألقي في مهاوي الردى، وأُعملت الفِكر في كيفية الخلاص منه، والراحة من مشاهدته، بل في قتله واستئصالِ شأفته.
وفي الحديث: (( بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ؛ فطوبى للغرباء ) ) [1] ، قيل: ومن الغرباء؟ قال: (( ناسٌ قليل صالحون بين أناس كثيرين، [مَن] يُبغضهم أكثرُ ممن يحبُّهم ) ).
* وقال الإمام النووي: إذا رأيتم العالِم كثيرَ الأصدقاء فاعلموا أنه مخلِّط؛ لأنه إذا نطق بالحقِّ أبغضوه.
قال المصنف: وانظر إلى قوله - تعالى - حكاية عن وصية لقمان لابنه: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17] ، تعلم أن الآمر والناهي لا بد وأن يجعلَ له من الصبر حصنًا حصينًا، ومن الاحتمال خِلاًّ أمينًا، وأن يوطِّن نفسه على تجرُّع كؤوس المرارات، وتجنب حلاوة المداهنة والمداراة، وأن يمرِّن نفسه على هجْر الخَلق في جَنْب الله، ويَقنع في كل أحواله بنظر الله، وألا يأسفَ على من قلاه لذلك، ولا يحزنَ على من فارقه وخذله في المهالك، وليقطع أطماعه عن الخَلق، ويثق بكفالة الحق، ويتوكل على الله فهو حسب من توكَّل عليه، ويفوِّض إليه في جميع أحواله، فمرجع الأمور كلها إليه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
فصل
أحوال يسقط فيها الوجوب ويبقى الاستحباب
(1) (( رواه مسلم من حديث أبي هريرة(1/ 90) كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، كما روى أحمد في مسنده عن ابن عمرو، مرفوعًا: (( طوبي للغرباء، أناس صالحون في أناسٍ سُوءٍ كثير، مَن يعصيهم أكثر مما يُطيعهم ) )، وهو صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح الجامع (3916) ، وفي رواية: (( مَن يبغضهم أكثرُ ممن يحبهم ) ).