(1) من علم أنه إذا أنكر المنكَر بطَل بإنكاره، ولكنه يُضرب ضربًا مؤلمًا، أو تُنهب دارُه، أو يخرب بيته، أو تُسلب ثيابه، فمِثل هذا يسقط عنه وجوبُ الإنكار، ويبقى الاستحبابُ؛ إذ لا بأس بأن يفدي دينه بدنياه.
ولكل نوع من الضرب أو النهب أو التخريب أو السلب، حدٌّ في القلة لا يلتفت إليه، وحدٌّ في الكثرة يتيقن من كونه مسقطًا للإيجاب، ووسَط يقع في محل الاشتباه والاجتهاد، والأمر مداره التقوى والورع والأخذ بالأحوط، ويرجّح جانب الدين ما أمكن.
(2) فإن علم أنه لا يُضرب ولا ينهب ولا يسلب، ولكن يوضع منديله أو عمامته في رقبته، ويدار به في البلد، أو يسوَّد وجهه ويكشف رأسه، ويطاف به حافيًا ونحو ذلك، فهذا أيضًا مما يرخص في السكوت، ويسقط الوجوب؛ لأن المروءةَ مأمور بحفظها في الشرع، وهذا مؤلِم للقلب عند أكثر الناس ألَمًا يزيد على ألم الضرب؛ انتهى باختصار.
* قال الإمام الغزالي: وقد دلت عموماتُ الآيات والأخبار على تأكيد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى عِظَم الخطر في السكوت عنهما، فلا يسقط ذلك إلا بفوات ما عظُم في الدين خطرُه، والمالُ والنفسُ والمروءة قد ظهر في الشرع خطرُها، فأما مزايا الجاه والحشمة ودرجات التجمل وطلب ثناء الخَلق، فكل ذلك لا خطرَ له، ولا يسقط به الوجوبُ؛ انتهى ملخصًا.
* قال الإمام النووي في الروضة - كتاب في الفقه على المذهب الشافعي:
قال أصحابنا: وإنما يأمر وينهى مَن كان عالِمًا بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف بحسب الأشياء، فإن كان من الواجبات الظاهرة والمحرمات المشهورة، فكل الناس عالِمون بها، وإن كان من دقائق الأقوال والأفعال لم يكن الإنكارُ إلا للعلماء، ويلتحق بهم مَن أعلمه العلماء بأن ذلك مجمَعٌ عليه، ثم العلماء إنما ينكِرون ما أُجمع على إنكاره، أما المختلَف فيه فلا إنكار فيه؛ لأن كل مجتهد مصيبٌ، أو المصيب واحد ولا نعلمه، ولم يزَلِ الخلاف بين الصحابة والتابعين في الفروع، ولا ينكر أحدٌ على غيره، وإنما ينكِرون ما خالف نصًّا أو إجماعًا أو قياسًا جليًّا؛ اهـ.
(3) ومن ترك الإنكار على من هو خاصٌّ به؛ كأستاذه الذي يعلِّمه العلم؛ خوفًا من امتناعه عن تعليمه، أو ترَك الإنكار على طبيب يدخل عليه ويلبس الحرير، خوفًا من أن يهجره فيمتنع بسبب هجره صحته المنتظرة، أو على السلطان المحسن إليه خوفًا أن ينقطع عنه الإحسان والمواساة، أو على من يتوقع منه نصرة وجاهًا في المستقبل خيفةَ ألا يحصلَ له الجاه.
ففي هذه الصور الأربع لا يسقط الوجوبُ في الإنكار؛ فإن كلَّ ما يفوته فيها بالإنكار زيادات امتنعت، ولا تسمى ضررًا إلا مجازًا.