قال المصنف: أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الحديث الناسَ أجمعين، وأمرهم أن يُقدموا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يلتفت أحد منهم إلى ما يلقيه الشيطان عنده من الخوف والجزع، وتقدير وقوع المحذور من الضرب والقتل والطرد.
-قلت: انتبه إلى قوله - تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175] ، واحفظ قوله - صلى الله عليه وسلم: (( احفظ الله يحفظْك، احفظ الله تجده تُجاهك، إذا سألت فاسألِ الله، وإذا استعنت باستعن بالله، واعلم أن الأمَّةَ لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام، وجفت الصُّحف ) ) [1] .
* وأخرج أبو داود، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إن أولَ ما دخل النقصُ على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجلَ فيقول: يا هذا، اتقِ الله، ودَعْ ما تصنع؛ فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكونَ أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب اللهُ قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ * تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ} إلى قوله - تعالى: { .... فَاسِقُونَ} [المائدة: 78 - 81] ثم قال: (( كلا، والله لتأمرنَّ بالمعروف، ولتنهوُنَّ عن المنكر، ولتأخذنَّ على يد الظالم ولتأطرنَّه على الحق أَطْرًا ) ) [2] .
فصل
وقد اختار جماعة من السلف العزلة والانفراد، خوفًا من عجزهم عن تغيير ما يشاهدونه من المنكرات في الخُلطة.
* قال السيد الجليل الزاهد أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله تعالى [3] : ما ساح السيَّاح، وخلَّوا ديارَهم وأولادهم إلا لمثل ما نزل بنا، حين رأوا الشرَّ قد ظهر، والخيرَ قد اندرس، ورأوا الفتنَ ولم يأمنوا أن
(1) (( رواه الترمذي، من حديث عبدالله بن عباس، وقال: حسن صحيح، كما صح عنه فيما أخرجه أحمد والحاكم، قاله الشيخ في صحيح الجامع(7934) ، وكذلك عن أبي هريرة بلفظ: (( تعرَّفْ إلى الله في الرخاء، يعْرِفْك في الشدة ... ) )، فيما أخرجه أبو القاسم في الأمالي، كما قال الشيخ في صحيح الجامع (2958) .
(2) (( رواه أبو داود والترمذي وحسَّنه، ولكن قال الألباني في تحقيق رياض الصالحين: الحديث ضعيف، وكذلك وافقه الأرناؤوط في تحقيقه وقال: في سنده انقطاع.
(3) (( عمر بن عبدالعزيز: الإمام، الخليفة الراشد، أمير المؤمنين، أبو حفص عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم الأموي رضي الله عنه، ولد سنة إحدى وستين، أو ثلاث وستين للهجرة، وتولى الخلافة سنة تسع وتسعين للهجرة، وتوفي سنة إحدى ومائة.
وقول عمر الذي ذكره المصنف ما تمكنت من تخريجه حتى الآن، فما لي إلا أن أعزوه إلى الكتاب الأصل (تنبيه الغافلين) ، سائلًا المولى - عز وجل - أن ييسر تخريجه.