(3) فإن لم يرجع بالوعظ والنُّصح والتذكير، وعلم منه الإصرارَ على المعصية، والاستهزاءَ، وقلة المبالاة، والتصريح بعدم الرجوع - فليُغلظ له الكلامَ، ويخشن عليه، وليحذرْ أن يسترسل به الغضبُ إلى الخروج إلى الكلام بما لا يجوز له مما هو كذِب أو باطل أو فاحش.
دقيقة:
يجب أن يكون قصدُه بتغليظ الكلام وتخشينه رجوعَ العاصي عن تلك المعصية، لا الانتصار لنفسه لكونه رد كلامَه واستهزأ به.
فصل
فيما يمكن تغييره باليد
(( مثل إراقة الخمر، وكسر العود وآلات اللهو، والتجريد من خاتم الذهب وثوب الحرير، والإخراج من الدار المغصوبة، والإخراج من المسجد إن كان جُنبًا أو قد أكل بصلًا أو ثُومًا ونحو ذلك.
(1) قال المصنف: ففي صحيح مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا وَجد من الرجل في المسجد ريحَ البصل أو الثُّوم أمر به فأُخرج إلى البقيع [1] .
ثم قال تعليقًا: وإن لم يَخرج إلا بجرِّه فليجرَّه بيده ونحوها، دون ذقنه [2] ، وشعر رأسه، فإن لم يُطِقْ خروجه بجرِّه بيده فليخرجه بجرِّ رِجله [3] ، وإن أمكنه ألا يباشر شيئًا من ذلك بيده ويكفيه غيرُه فليفعل [4] .
قلت: ويقوم المحتسبُ بهذا الأمر بتعزيز من الإمام أو الوالي أو السلطان، حتى لا تكون فتنة بين العوام، ثم يليه الراعي على رعيته بقدر ما له من حقوق شرعية عليهم، ثم يأتي دور المتطوع بعد فقْد المحتسب والراعي، مع مراعاة الشروط السابق ذكرُها في فاعل الإنكار.
تنبيه: ويتوقَّى في إراقة الخمر كسر أوانيها [5] ، فإن لم يقدِر على إراقتها إلا بالكسر كسَرها ...
(1) (( من حديث عمر بن الخطاب في خطبة للجمعة يقول:"لقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا وجد ريحَها من الرجل في المسجد أَمر به فأُخرج إلى البقيع، فمن أكلهما فليُمِتْهما طبخًا"؛ رواه مسلم، باب نهي مَن أكل ثُومًا أو بصلًا أو كرَّاثًا أو نحوها.
(2) (( والمقصود بذقنه: لِحْيته، وإلا فإطلاق الذقن فقط دون بقية اللحية بدعةٌ منكرة، وتخليط على المسلمين في أمر دينهم، ومخالفة صريحة لأمره - صلى الله عليه وسلم - بإعفاء اللحية،(والإعفاء: الترك التام) .
(3) (( الخطاب إلى المحتسب.
(4) (( الخطاب إلى المتطوع تأدبًا بآداب المنكِر السالفة.
(5) (( لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا حرَّم الخمر، أمر بإهراقها، ولم يأمر بكسر الأوعية إطلاقًا، ونهى عن الانتباذ في بعض الأوعية، مثل: الحَنْتم والدُّبَّاء والمزفَّت والنَّقير؛ لأن النبيذ فيها يكون أسرع إلى التخمير، ثم أباح ذلك في جميع الأوعية مع تقييد التحريم بالخمر فقط؛ لما جاء في صحيح مسلم من كتاب الأشربة، باب نسخ النهي عن الانتباذ في المزفت ... من حديث بريدة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( نهيتكم عن الظروف، وإن الظروف - أو ظرفًا - لا يُحل شيئًا ولا يحرِّمه، وكلُّ مسكِر حرام ) )، هذا مع العلم أن كسر الظروف لغير ضرورة من زجر أو غيره إنما هو إضاعةُ مال يمكن استعمالُه في حلال، وذلك منهي عنه في قوله - صلى الله عليه وسلم: (( إن الله تعالى ... ، ويكره لكم: قِيلَ وقال، وكثرةَ السؤال، وإضاعة المال ) )؛ رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (5/ 130) .