الله - صلى الله عليه وسلم - يدَه على صدره، وقال: (( اللهم طهِّر قلبَه، واغفر ذنبَه، وحصِّن فرْجه ) )، فلم يكن شيء أبغضَ إليه منه، يعني الزنا [1] .
(2) إذا كان الفاعل يُقدم على الفعل مع علمه أنه منكَرٌ أو بعد تعريفه أنه منكَر: (( مثل الغِيبة والنميمية وأكل المَكْس أو الرِّبا أو الرِّشوة ... ) )، مع علمه أنه حرام، ولكن لا يعلم رتبة تحريمه، ولا ما جاء فيه من الوعيد والتهديد.
فهذا ينبغي أن يُوعَظ ويخوَّف بالأخبار الصحيحة الواردة في تلك المعصية [2] ، ويدرَّج الكلامُ معه تدريجًا بشفقةٍ ولطف من غير تعنيف ولا غضب ولا ازدراءٍ، بل يُنظر إليه بعين الرحمة، ويلاحظ هو بباطنه لُطْفَ الله - تعالى - به إذ حفِظه من مثل هذه المعصية، ولو شاء لكان الأمر بالعكس، وإنه لا يدري إلى ماذا يصير حاله؛ إذ القلوب بيد الله - تعالى، والنفوس لها إقبالٌ وإدبار، وما يدري هل يدوم له هذا الحفظ، أو يفتن، والعياذ بالله - تعالى.
قال المصنِّف: والمقصود من ملاحظته ذلك ألا يرى عند التعريف والإنكار عزةَ نفسه بالعلم، والتنزُّه عن مثل تلك المعصية، وذُلَّ ذلك المنكَر عليه بالجهل والوقوع فيها، فيكون قصده الباطن بكلامه حينئذ هو إظهارَ رتبته بشرف العلم والعفة، وإذلال صاحبه بالنسبة إلى خسَّة الجهل، ورذالة المعصية.
قال الإمام الغزالي - رحمه الله:"فإن في الاحتكام على الغير لذةً للنفس عظيمة من وجهين: أحدهما: من جهة دالة العلم، (وقد بين المصنف تفصيلها سابقًا) ، والآخر: من جهة دالَّة الاحتكام والسَّلطنة (يعني التسلُّط) ؛ وذلك يرجع إلى الرياء وطلب الجاه، وهو الشهوة الخفية المتداعية إلى الشرك الخفي؛ ولهذا محكٌّ ومعيار ينبغي أن يَمتحن به المحتسبُ نفسه، وهو أن يكون امتناعُ ذلك الإنسان عن المنكر بنفسه أو بإنكارِ غيره أحبَّ إليه من امتناعه بإنكاره، ويرى أن القيام بالإنكار يشقُّ عليه ويثقل على نفسه، ويود لو أن يُكفى بغيره، (( فإن رأى ذلك في نفسه فليمضِ في أمره أو نهيه ) )، وإن فُقدت هذه العلامات ورأى من نفسه كراهيةً لرجوع هذا الأمر إلى غيره، أو رأى عنده مسابقةً إلى الإنكار خشية أن يسبقَه إليه غيرُه، أو يثقل عليه أن يرجع الإنسانُ عن هذا المنكر بنفسه ونحو هذه العلامات؛ فليتَّقِ اللهَ، وليُنكِرْ على نفسه أولًا".
مسألة:
من لم يقدِر على الإنكار باللسان، وقدر على إظهار دلائل الإنكار، مثل: تعبيس الوجه، والنَّظر شزرًا، والتجهُّم، وإظهار الكراهية لفعله والازدراء به، وهجرُه في الله - تعالى - لزمه ذلك، ولا يكفيه العدولُ إلى الإنكار بالقلب، مع إمكان دلائل الإنكار الظاهرة، والله أعلم.
(1) (( عن أبي أمامة، أخرجه أحمد بإسناد جيد، قال الحافظ العراقي: إسنادٌ جيد، ورجاله رجال الصحيح؛ هامش تنبيه الغافلين.
(2) (( انظر: معجم الكبائر، ومعجم الصغائر وأدلتها الشرعية، وهما الجزء الثاني والثالث من كتابنا الموازين.