فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 242

* قال الغزالي - رحمه الله:"فإنْ رأى الوالي أن يأمرَ بكسر الظروف التي فيها الخمر زجرًا لصاحبها فعل"؛ اهـ.

قال المصنف:"وإنما جاز ذلك للحاكم دون غيره؛ لأن الزجرَ عما يستقبل والعقوبة على ما مضى - ليس لأحد من الرعية، وإنما هما للوالي، وأما آحاد الرعية فليس لهم إلا الدفع في الحال لا غير".

قال المصنف:"فإن قلت: هل له أن يكسر آلات اللهو كالبرابط، والطنبور، والعود، ونحو ذلك، والصنم، والصليب إذا أظهرهما النصراني، وأواني الخمر حيث جاز له كسرُها، كسرًا لا يُنتفع بها بعده أم لا؟ وهل له أن يحرق ذلك ويُلقيه في البحر ونحو ذلك؟"

* قال الإمام الرافعي والنووي وغيرهما:"في حد الكسر المشروع وجهان، أحدهما: أنها تُكسر وترضض حتى تنتهي إلى حدٍّ لا يمكن اتخاذ آلة محرمة منه، لا الأولى ولا غيرها، والآخر: أن تُفْصَلَ على وجهين: (أحدهما) : أن تُفْصَلَ بالقدر الذي لا تصلح معه لاستعمال المحرَّم، (والثاني) : أن تُفْصَلَ إلى حدٍّ لا يمكن معه اتخاذُ آلة محرمة من مفصلها إلا بمجهود البادئِ في صناعتها."

قال المصنف: وأما إذا لم يتمكنْ - لمدافعةِ مَن هي في يده، أو عدم آلةٍ يَفْصلها بها، أو خوف يحول بينه وبين ذلك - فله أن يكسرَها كيفما اتفق، ولا ضمانَ عليه قطعًا، فإن دافعه - كما تقدم - ولم يجد سبيلًا إلى إزالة ذلك المنكر إلا بإلقائها في النار أو البحر ونحو ذلك فله ذلك، والله أعلم.

مسألة:

تُرَاق خمر الذمي [1] إذا أظهرها وأظهر شراءها أو بيعها أو هبتها ولو لذمي مثلِه، وكذلك الخنزير، ولا شيء على المنكِر ولا ضمان.

(1) (( ذكر الإمام البيهقي في السنن الكبرى (( كتاب الجزية ) )أبوابًا، فصَّل فيها موقف المسلمين من أهل الجزية، من مجوس أو أهل كتاب، وقد انتخبنا ما تيسَّر منها؛ تبيانًا لهذا الأمر.

المجوس ومن على شاكلتهم: عن الحسن بن محمد بن علي قال: كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مجوس هجر يعرِض عليهم الإسلام، فمن أسلم قبِل منه، ومن أبى ضُربت عليه الجزية، على ألا تؤكلَ لهم ذبيحةٌ، ولا تُنكح لهم امرأة.

قال البيهقي: هذا مرسَل، وإجماع أكثر المسلمين عليه يؤكِّده، ولا يصح ما رُوي عن حذيفة في نكاحِ مجوسية.

باب: كم الجزية؟

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى معاذ بن جبل - رضي الله عنه: (( أن من أسلم من المسلمين فله ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، ومن أقام على يهوديته أو نصرانيته، فعلى كل حالِم دينارٌ، أو عِدله من المعافري، ذكرًا، أو أنثى، حرًّا أو مملوكًا، وفي كل ثلاثين من البقر تَبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين بقرة مسنَّة، وفي كل أربعين من الإبل ابنة لَبون، وفيما سقتِ السماء أو سُقِيَ فَيْحًا العُشْر، وفيما سُقي بالغَرب نصف العشر ) ).

[الحالم: البالغ، المعافري: ثياب يمنيَّة] .

جماع أبواب الشرائط التي يأخذها الإمامُ على أهل الذمة، وما يكون منهم نقضًا للعهد.

باب: يشترط عليهم ألا يذكروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا بما هو أهله.

-عن علي رضي الله عنه: أن يهوديةً كانت تشتم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وتقع فيه، فخنقها رجل حتى ماتت، فأبطل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - دمَها.

-عن كعب بن علقمة أن عرفة بن الحارث الكِنْدي مر به نصرانيٌّ، فدعاه إلى الإسلام، فتناول النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وذكره، فرفع عرفةُ يده فدقَّ أنفه، فرفع إلى عمرو بن العاص، فقال عمرو: أعطيناهم العهد، فقال عرفة: معاذ الله أن نكون أعطيناهم على أن يُظهروا شتْم النبي صلى الله عليه وسلم، إنما أعطيناهم على أن نخلِّي بينهم وبين كنائسهم، يقولون فيها ما بدا لهم، وألا نحمِّلَهم ما لا يُطيقون، وإن أرادهم عدوٌّ قاتلناهم من ورائهم، ونخلِّي بينهم وبين أحكامهم إلا أن يأتوا راضين بأحكامنا، فنحكمَ بينهم بحكم الله وحكم رسوله، وإن غيبوا عنا لم نَعْرض لهم فيها، قال عمرو: صدقتَ، قال البيهقي: عرفةُ له صحبةٌ.

باب: يشترط عليهم ألا يُحْدِثوا في أمصار المسلمين كنيسةً، ولا مجمعًا لصلاتهم، ولا صوتَ ناقوس، ولا حمل خمر، ولا إدخال خنزير.

-عن حرام بن معاوية قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن أدِّبوا الخيل، ولا يُرفعنَّ بين ظهرانَيْكم الصليبُ، ولا يجاورنكم الخنازير.

-وعن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كلُّ مِصْرٍ مصَّره المسلمون لا يُبنى فيه بيعة ولا كنيسة، ولا يُضرَب فيه بناقوس، ولا يباع فيه لحمُ خنزير.

باب: يشترط عليهم أن يفرقوا بين هيئتهم وهيئة المسلمين.

-عن نافع عن أسلم قال: كتب عمر - رضي الله عنه - إلى أمراء الأجناد، أن اختموا رقاب أهل الجزية في أعناقهم.

-وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إنكم لاقون اليهودَ غدًا، فلا تبدؤوهم بالسلام، فإن سلَّموا عليكم فقولوا: وعليكم ) )، قلت: ورواه مسلم بعدة روايات مع اختلاف في اللفظ.

-وعن عقبة بن عامر الجهني أنه مرَّ برجل هيئتُه هيئة رجل مسلم، فسلَّم، فرد عليه عقبة: وعليك ورحمة الله وبركاته، فقال له الغلام: أتدري على من رددتَ؟ فقال أليس برجل مسلم؟ فقالوا: لا، ولكنه نصرانيٌّ، فقام عقبة فتبعه حتى أدركه، فقال: إن رحمةَ الله وبركاته على المؤمنين، لكن أطال اللهُ حياتك، وأكثر مالك.

باب: الإمام يكتب كتاب الصلح على الجزية.

-عن عبدالرحمن بن غُنم قال: كتبتُ لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين صالح أهل الشام: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب لعبدالله عمر أمير المؤمنين، من نصارى مدينة كذا وكذا، إنكم لَمَّا قدمتم علينا سألناكم الأمانَ لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملَّتِنا، وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نُحدِثَ في مدينتنا ولا فيما حولها دَيْرًا ولا كنيسة ولا قَلاَّية ولا صومعة راهب، ولا نجدِّد ما خرب منها، ولا نحيي ما كان منها في خطط المسلمين، وألا نمنعَ كنائسنا أن يدخلَها أحد من المسلمين في ليل ولا نهار، ولا توضع أبوابها للمارة وابن السبيل، وأن نُنزل من مر بنا من المسلمين ثلاثة أيام ونطعمَهم، وألا نؤمِّنَ في كنائسنا ولا منازلنا جاسوسًا، ولا نكتم غشًّا للمسلمين، ولا نعلِّم أولادنا القرآن، ولا نُظهر شركًا، ولا ندعو إليه أحدًا، ولا نمنع أحدًا من قرابتنا الدخولَ في الإسلام إن أراده، وأن نوقِّر المسلمين، وأن نقوم لهم من مجالسنا إن أرادوا جلوسًا، ولا نتشبه بهم في شيء من لباسهم من قَلَنْسوة ولا عمامة ولا نعلين، ولا فَرْق شعر، ولا نتكلم بكلامهم، ولا نتكنى بكناهم، ولا نركب السروج، ولا نتقلد السيوف، ولا نتخذ شيئًا من السلاح، ولا نحمله معنا، ولا ننقش خواتيمنا بالعربية، ولا نبيع الخمور، وأن نجزَّ مقاديم رؤوسنا، وأن نلزم زيَّنا حيثما كنا، وأن نشدَّ الزنانير على أوساطنا، وألا نظهر صُلُبنا وكتبنا في شيء من طريق المسلمين ولا أسواقهم، وألا نظهرَ الصليب على كنائسنا، وألا نضرب بناقوس في كنائسنا بين حضرة المسلمين، وألا نُخرج سعانينَ ولا باعونًا أو باعوثًا، ولا نرفع أصواتنا مع موتانا، ولا نظهر النيران معهم في شيء من طريق المسلمين، ولا نجاوزهم موتانا، ولا نتخذ من الرقيق ما جرى عليه سهامُ المسلمين، وأن نرشد المسلمين، ولا نطلع عليهم في منازلهم.

فلما أتيت عمر - رضي الله عنه - بالكتاب زاد فيه: وألا نضرب أحدًا من المسلمين، شرطنا لهم ذلك على أنفسنا وأهل ملَّتِنا، وقبِلنا منهم الأمان، فإذا نحن خالفنا شيئًا مما شرطناه لكم فضمنَّاه على أنفسنا، فلا ذمةَ لنا، وقد حل لكم ما يحل لكم من أهل المعاندة والشقاوة.

باب: ما جاء في ذبائح نصارى بني تغلِب.

-عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: ما نصارى العرب بأهل كتاب، وما يحل لنا ذبائحُهم، وما أنا بتاركهم حتى يسلموا، أو أضربَ أعناقهم.

قال الشافعي: وإنما تركنا أن نجبرهم على الإسلام أو نضرب أعناقَهم؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذ الجزيةَ من نصارى العرب، وأن عمرَ وعثمان وعليًّا - رضي الله عنهم - قد أقروهم، وإن كان عمر قد قال هذا، قلت: لأن قول عمر في هذا الموضوع إنما يشبه قوله - صلى الله عليه وسلم: (( لئن عشتُ - إن شاء الله - لأخرجن اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب ) )من حديث عمر رضي الله عنه؛ أخرجه مسلم والترمذي والحاكم.

قلت: وإنما سلوانا فيما صح من بشارة النبي - صلى الله عليه وسلم - بنزول عيسى عليه السلام، ووضعِه الجزية، وكسرِه الصليبَ، وقتلِه الخنزير، وقتاله الناس على الإسلام فيما رواه أبو داود عن أبي هريرة، وصححه الشيخ في صحيح الجامع (5365) .

-قال الشافعي: لذلك لا يحل لنا نكاحُ نسائهم؛ لأن الله - جل ثناؤه - إنما أحل لنا من أهل الكتاب الذي عليهم نزل.

-وعن عبيدة قال: سألت عليًّا - رضي الله عنه - عن ذبائح نصارى بني تغلِب، فقال: لا تأكلوه؛ فإنهم لم يتعلقوا من دينهم بشيء إلا بشرب الخمر.

-وعن علي - رضي الله عنه - قال: لئن بقيت لنصارى بني تغلب، لأقتلنَّ المقاتِلة، ولأسبينَّ الذرية؛ فإني كتبت الكتاب بين النبي - صلى الله عليه وسلم - وبينهم، على ألا ينصِّروا أبناءهم.

قلت: وقد فعلوا.

باب: مهادنة الأئمة بعد رسول رب العزة إذا نزلت بالمسلمين نازلة.

-عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إنما الإمام جُنَّة، يقاتَل به ) ).

قلت: ورواه أبو داود عنه، وصححه الشيخ برقم (2317) صحيح الجامع.

-عن عوف بن مالك الأشجعي - رضي الله عنه - قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك، وهو في قبة من أَدَمٍ فقال لي: (( يا عوف، اعْدُدْ ستًّا بين يدي الساعة، موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم مُوتانٌ يأخذ فيكم كقُعاص الغنم، ثم استفاضة المال فيكم حتى يعطى الرجلُ مائة دينار فيظل ساخطًا، ثم فتنة لا تُبقي بيتًا من العرب إلا دخلتْه، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر، فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفًا ) )، قلت: ورواه ابن ماجه والحاكم عنه، وصححه الشيخ برقم (7933) صحيح الجامع.

-وعن خالد بن معدان عن جبير بن نفير، أنه قال: انطلق بنا إلى ذي مِخْبَرٍ، رجلٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال فأتيناه فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( سيصالحكم الرومُ صلحًا آمنًا، ثم تغزون أنتم وهم عدوًّا، فتُنصرون وتَسْلمون وتغنمون، ثم تنصرفون فتنزلون بمرجٍ ذي تلول، فيرفع رجلٌ من النصرانية الصليبَ، فيقول: غلب الصليبُ، فيغضب رجل من المسلمين فيقوم إليه فيدقُّه، فعند ذلك تغضب الروم ويجمعون للملحمة ) )، قلت: ورواه أبو داود عنه، وصحح الشيخ إسناده في تحقيق المشكاة (3/ 5428) .

باب: لا خير في أن يعطيهم المسلمون شيئًا على أن يكفُّوا عنهم.

قال الشافعي - رحمه الله: لأن القتل للمسلمين شهادة، وإن الإسلام أعزُّ من أن يعطيَ مشركًا على أن يكف عن أهله؛ لأن أهلَه - قاتلين ومقتولين - ظاهرون على الحق.

-وعن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: (( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرُّهم من خذلهم حتى يأتي أمرُ الله وهم كذلك ) )، قلت: ورواه مسلم والترمذي وابن ماجه عنه؛ كما قال الشيخ في صحيح الجامع برقم (7266) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت