* وخرَّج الطبراني وأبو نعيم عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( الزبانية إلى فسقة القراءِ أسرعُ منهم إلى عبدة الأوثان، فيقولون: يُبدأ بنا قبل عبدة الأوثان، فيقال لهم: ليس من يَعلم كمن لا يعلم ) ) [1] .
* وخرَّج الترمذي والبيهقي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( لا تزولا قدمَا ابن آدم يوم القيامة حتى يسأل عن خمسٍ: عن عمره فيم أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيماذا أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟ ) ) [2] .
قال المصنف - رحمه الله: والأحاديث والآثار في ذمِّ علماء السوء وتوبيخ من لم يعمل بعلمه، ومن خالف قوله عمله - كثيرة جدًّا، وهي ناطقة بأن مَن أمر بما لا يفعل أشرُّ الناس منزلةً عند الله يوم القيامة، وأن العلماء الفجرة هم الأخسرون؛ إذ ضل سعيُهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وأن حجتهم داحضة عند ربهم؛ لِما وهبهم من علمه نعمةً منه عليهم، فكفروا نعمتَه، وخالفوا أمره.
ولا يخفى عن ذي لبٍ، أن ملِكًا من الملوك لو أرسل كتابه بأمر من الأمور إلى عبد من عبيده لا يعرف الكتابة وليس عنده من يعرفه بما فيه فخالف أمره، لا يكون ذنبه عنده كمن أمكنه أن يقرأَه أو يسأل من يقرؤه ليعرف ما فيه فيمتثله، فترك ذلك وخالف ما فيه جاهلًا به، ولا يكون جرمُ هذا كجرم من قرأه وفهمه، وكرر قراءته غير مرة ثم خالف ما أمره به سيدُه ومولاه، وعمل بعكسه، لا جَرم كان هذا العبد عنده أحقَّ العبيد بأليم عذابه، وأولاهم بعظيم سخطه، وأقربَهم إلى إبعاده وطرده؛ ولهذا جعل اللهُ المنافقين في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم جحدوا بعد العلم.
قلت: انظر إلى قوله - تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 204 - 206] .
* وحكى الأوزاعي [3] عن بلال بن سعد [4] ، أنه كان يقول: ينظر أحدكم إلى الشرطي فيستعيذ بالله منه، وينظر إلى علماء الدنيا المتصنِّعين للخَلق، والمتشوِّفين إلى الرياسة فلا يمقته، هذا أحقُّ بالمقت من ذلك الشرطي.
(1) (( ضعيف، أورده الشيخ في ضعيف الجامع(1389) ، وفي الضعيفة (2588) .
(2) (( حديث صحيح، ولفظ الترمذي: (( لا تزول قدمَا ابن آدم يوم القيامة من عند ربه، حتى يسأل عن خمس، عن عمره فيمَ أفناه؟ وعن شبابه فيمَ أبلاه؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه؟ وماذا عمل فيما علِم ) )، وقال الشيخ في تحقيق المشكاة: رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب، ولكنه حديث صحيح لشواهده؛ مشكاة [3/ 5197] .
(3) (( الأوزاعي: عبدالرحمن بن عمرو، أبو عمرو، فقيهٌ، ثقة، جليل، من السابعة، مات سنة 157 هـ؛ [تقريب] .
(4) (( بلال بن سعد: ابن تيم الأشعري، أبو زرعة الدمشقي، تابعي ثقة عابد فاضل، من الثالث، مات في خلافة هشام؛ [تقريب] .