ولما رأيت ركن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد وَهَى جانبُه، وكثُر مجانِبُه، وعزَّت على الأكثرين مطالبُه؛ فعز طالبه، وتوعرت بعد السلوك مسالكه، واندرست معالم السنَّة ورسْمُها، ولم يبقَ من حقائقها إلا اسمُها، وتنوعت مقاصد الخلائق في الأذهان، فلم تخشَ الناسُ أحدًا في الإعلان، وألقى الشيطان في قلوب الجاهلين أنه لا يطالَبُ أحدٌ بغير عمله يوم الدين، وصار إنكار المنكَر زلةً عند العامة لا تقال، ومزلَّة لا يثبت عليها أَرْجَلُ الرجال، فمن أنكر قيل: ما أكثرَ فضولَه، ومن داهن قيل: ما أحسنَ في العِشرة معقولَه، فعمت الخطوب والعظائمُ؛ إذ لم يبقَ إلا من تأخذه في الله - تعالى - لومةُ لائم، وعاد الإسلام غريبًا كما بدأ، وصار العالِمُ الدالُّ طريدًا، والجاهل الضال حبيبًا وديدًا - فعَنَّ لي أن أعلِّق أوراقًا في هذا الشأن؛ نصحًا لأمثالي من أهل العصيان، ومَن حالُه كحالي في الغفلة والنسيان، وبيانًا لمحل ذلك من شمول الإيجاب، وتحذيرًا من ارتكاب ما هو جدير بسوء المآب.
وسميته: (( تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين، وتحذير السالكين من أفعال الهالكين ) )، ورتبته على سبعة أبواب.
الباب الأول: في فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان أنه فرض كفاية، وشروط المنكَر والمنكِر، ويشتمل على فصول ومسائل.
الباب الثاني: في كيفية الإنكار ودرجاته، ويشتمل على فصول ومسائل.
الباب الثالث: في الترهيب من ترك ما أوجب الله - تعالى - من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذكر بعض ما ورد من التغليظ في ذلك.
الباب الرابع: في إثم من أمَر بمعروف ولم يفعله، أو نهى عن منكر وهو يفعله.
الباب الخامس: في ذكر جُمَل من الكبائر والصغائر عصمنا الله منها.
الباب السادس: في ذكر أمور نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم.
الباب السابع: في ذكر جُمل من المنكرات والبدع المحدثات.
وإلى الله - تعالى - أمدُّ أكُفَّ الضراعة والابتهال ألا يجعله حجةً عليَّ يوم قيام الساعة وظهور الأهوال؛ فإن بضاعتي من العلم والدين مزجاةٌ [1] ، وإيماني أضعف الإيمان؛ لنقص اليقين، وفقْد الجاه، لكن اعترافي بالعجز والتقصير وسيلتي يوم يقوم الأشهاد، واغترافي من بحر جوده الغزير ذخيرتي عند فقْد الزاد، واستنادي في كل
(1) (( مزجاة: قليلة؛(صحاح) .