يتحول الأمر من الإيمان والعمل الصالح على مستوى الفرد إلى الإيمان والعمل الصالح على مستوى الدولة لأن قلوب هؤلاء لم تكتفِ بالذاتية بل خرجت وحملت هموم كل الأرض حبًا تدفق من حب الله ورسوله ودينه تدفق إلى كل الأرض وقلنا إن الجماعة هنا تكون قد ذابت في بوتقة الإيمان الكلية للأمة لتتحرك بهمومها وأفكارها إلى هم أكبر وفكر أسمى هو فكر وهم الآخرة متمثلًا في هم وفكر الأمة والرسالة وهو ما يعرف بتمكين الدين في الأرض أي التحول من تمكين الدين في النفس أولًا إلى تمكين الدين في الأرض من نشر للدين الإسلامي في كل أنحاء الأرض سواء بإقامة المساجد للصلاة أو إيتاء الزكاة من مؤسسات مالية واقتصادية إلخ من النواحي التي تم ذكرها في الآية (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) وهذا هو الدين الذي ارتضاه لهم الله كما جاء في نهاية الآية التابعة لهذه النقطة (لنمكننَ لهم دينهم الذي ارتضى) قال تعالى (يأيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبد وادخلي جنتي) [1] .
إذن الغاية لكل العبادة منذ أن ولد آدم وإلى أن تقوم الساعة هو تمكين الدين في الأرض ليكون الدين كله لله ولعظم هذه الغاية كانت عظمة الإيمان داخل قلوب من يتأهل لهذه الغاية ولذلك بمجرد التأهل الذاتي النفسي تكون الهبة من الله وهي قيادة التمكين الإلهية لهم فيمهد لهم الطريق على مستوى الزمان والمكان على كل الأرض وهذه الهبة هي التي وردت في آيتي التمكين أعلاه في صورة ضمير متصل بلفظ التمكين كما في الجزء من الآية الأولى (مكناهم في الأرض) والآية الثانية (نمكنَن لهم دينهم) حيث يرجع الضمير في التمكين إلى الله تعالى.
[3] ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا:-
مما سبق أصبح من الواضح أن ختام المراحل أعلاه لابد أن يبشر بخير لكل الأرض فما التمكين في الأرض إلا رحمة الله لهذه الأرض في آخر الزمان حيث يتحول الدين الإسلامي من مجرد الذاتية سواء على مستوى الفرد أو الأرض إلى الكلية الشمولية أي كل البشر وكل الأرض فيعم الخير والأمن وهذا ما ختمت به الآية من إبدال الخوف بالأمن (ولنبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) وهو قمة الأمن أو أعلى درجات الأمن لأنه أمن كل الأرض بما فيها من مخلوقات حتى البيئة من حوله وما كل ذلك إلا نتاج طبيعي تدرجي لمفهوم الأمن من النفس إلى الغير فإذا اطمئنت النفس فاض بها لاحقًا إلى الغير وصولًا إلى كل الأرض قال تعالى (يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ً مرضية فادخلي في عباد وادخلي جنتي) [2] وقال تعالى (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا
(1) افجر 27 - 30
(2) الفجر 27 - 30