بالاحتكام إليه وقبول ما يقضي به بينهم وتنفيذه عن رضا وإيمان كما قال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا بما قضيت ويسلموا تسليما)
ولا شك في أن تكون هذه السلطات بعد الرسول صلى الله عليه وسلم للخليفة أو الإمام الذي يختاره المسلمون من بعده غير أن أعمال الأمة لما كانت كثيرة فقد اقتضى ذلك الاستعانة بمن يشترك مع الرئيس الأعلى في تدبير شؤون الدولة وتوجيه أمورها وهؤلاء مسؤولون أمامه عن أعمالهم وليست لديهم إلا تنفيذ سياسته واتباع أوامره ومركزهم منه مركز النواب عنه يعيُنهم ويقيلهم بحسب ما تقضي به المصلحة.
وقد اتخذ الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده أعوامًا يشتركون معهم في التدبير ودليل ذلك قوله تعالى (وشاورهم في الأمر) ويروى عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا أراد الله بالأمير خيرًا جعل له وزير صدق إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه وإن أراد به غير ذلك جعل له وزير سؤ إن نسي لم يذكُره وإذا ذكر لم يعنه). وما رواه أصحاب السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وزير أي من أهل السماء جبريل وميكائيل ووزير أي من أهل الأرض أبوا بكر وعمر.
وقد كانت هذه السلطات تستمد قوانينها من كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه الله وسلم أو إجماع المسلمين أو القياس أما الآن فإن هذه السلطات تستمد قوتها من القوانين الوضعية المستوردة الدخيلة على المسلمين فما بالنا نحن معاشر المسلمين تتنكر لدينا وفي غمرة الغرور ونشوة التقليد الأعمى ترضى أن تذوب شخصيتنا.
أليس القرآن الكريم كتاب الله المنزل والدستور الخالد؟ فلماذا إذن وجدت فيه آيات الحكم والسلطان استمع إليه في الحكم يقول (فاحكم بينهم بما أنزل الله ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون - ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون) وهل يوجد ما هو أصرح من هذا في إنذار من لم يجعل ما أنزل الله حكمًا ومن جعل الحكم على خلاف ما أنزل الله؟ وهل هناك خطابًا أصرح من قول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكلٍ جعلنا شرعةً ومنهاجا) ونحن نستمع إلى الله تعالى وهو يخاطب عامة المؤمنين فيقول (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ويقول(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)
وهناك آيات كثيرة تدل على تفصيلات حوادث الحكم وهناك التشريع الحربي والتشريع السياسي والتشريع الجنائي والتشريع الاجتماعي والتشريع المدني وغير ذلك من التشريعات