وهذا يعني أن الإستجابة الخارجية للدنيا لم تتأثر أو تؤثر على إستجابة العبد الداخلية لله ورسوله والتي قادته بسرعة لتدارك أمري الدنيا والآخرة والتوفيق بين ما يحتاجه من الدنيا وما يحتاجه من أخراه ولذلك تكون الإستجابة الخارجية ذات علاقة إيجابية بالإستجابة الداخلية، وكلما قل الإيمان قلت هذه الإيجابية وظهر تعارض واضح بين الداخل والخارج، بل وتخبط يستطيع الشيطان بسهولة إختراقه واللعب بالعبد كيفما شاء، قال تعالى (الذي يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا) [1] ، أما إذا وصل العبد أعلى درجات الإيمان فهنا تحدث حالة تسمى بحالة عدم الإدارك الكامل أو عدم الإستيعاب الكامل بمعنى أن التأثير هنا يكون بعبارة عن أجهزة خارج القلب المغلق أمام الدنيا بذكر الله وبالنور الإيماني داخله ومنفصل عن الجوارح إنفصال جزئي لأن الإنفصال الكامل بينهم لا يحدث إلا عند الموت أو النوم. ولتقريب الفكرة أكثر إلى الأذهان نضرب مثلًا لحالة إنشغال البال والسرحان التي تحدث في هذا العصر لكثير من الناس في بعض الأحيان فلا يسمع بوعي من يتحدث معه ولا يرى بوعي ما يحدث أمامه وهذا نتيجة إنفصال القلب بما يحمله من هموم الدنيا والعياذ بالله عما يحدث أمامه، قال تعالى (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها، فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) [2] .
وهنا العكس صحيح يحدث إنفصال القلب بنور الله وذكره عن ما يحدث في الخارج من أمور الدنيا بشكل جزئي كما قلنا وفي الحالتين أعلاه تكون الجوارح الخارجية هي الجهاز المتجاوب مع المصدر الخارجي أيًا كان دنيا أو آخرة وبجميع الحواس ولكن في غياب القلب ولذلك وجب على المؤمن أن يجعل الدنيا بين يديه ولا يجعلها في قلبه، ولكن رغم عدم الإدراك الكامل أعلاه إلا أن الأمور تسير على ما يرام نتيجة رعاية الله لهذا العبد.
أما جانب الآخرة نجد أن العبد الصالح المؤمن يكون في حالة إستيعاب كامل لأمور الآخرة التي يستقبلها بجوارحه الخارجية فتجده في قمة الإندماج معها وقمة النشوة وقمة الإنجراف اللاإرادي في تيارها لأنها صادفت هوىً في نفسه وقلبه وهو هوى الله ورسوله كما جاء في الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) ، ونهى الله في قرآنه عن إتباع هذا الهوى، قال تعالى (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) ، وكان الرسول صلى الله عليه سلم يستغيذ من الأهواء كما جاء في الحديث حدثنا سفيان بن وكيع، أخبرنا أحمد بن بشير وأبو أسامة عن مسعد، عن زيادة بن علاقة عن عمه قال: كان رسول الله صلى الله عليه
(1) البقرة (275) .
(2) الحج (46) .