أما التهيئة الحسية أو العملية لهذه الأنفس فهي المشار إليها بالآيات {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [1] فالشكر كناية عن الطريق المستقيم وهو الذي يقود إلي النفس المطمئنة عن طريق النفس اللوامة وانتصارها على النفس الأمارة بالسوء والعكس هو الصحيح حيث يشير الكفر إلي الجحود بنعمة الفطرة والهداية التي أودعها الله للإنسان داخل قلبه ومنذ بداية نشأته والذي يقود بدوره إلي طريق الضلال الذي يقود إلي مرحلة النفس الأمارة بالسوء وانتصارها على النفس اللوامة، إلي أن يصل إلي مرحلة الطبع على القلب والختم عليه قال تعالي {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [2] . كما إن الآية السابقة {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ} تعني إنا بصرناه وهيأناه عمليًا وحسيًا لمعرفة طريق الخير والشر وذلك عن طريق النفس اللوامة والتي تقود إلي طريق الخير والنفس الأمارة بالسوء والتي تقود إلي الشر كذلك في الآية التي تليها أعلاه يشير الفجور والتقوي إلي طريقي الشر والخير والنفس اللوامة هي التي تقود إلي التقوي والنفس الأمارة بالسوء هي التي تقود إلي الفجور وتحرض عليه وهذا يعني إن النفس الأمارة بالسوء هي العضو أو الجهاز الموجود عند كل البشر، أما مرحلة النفس الأمارة بالسوء فهي المرحلة التي يصل إليها من ارتضي لنفسه طريق الشر والفجور والهلاك وكذلك النفس اللوامة، والنفس المطمئنة فالنفس المطمئنة هي العضو أو الجهاز الموجود فطريًا داخل قلب كل البشر أما مرحلة النفس المطمئنة فهي المرحلة التي يصل إليها العبد نتيجة سيطرة النفس اللوامة على النفس الأمارة بالسوء وإذا لم تحدث هذه السيطرة ستظل النفس المطمئنة موجودة داخل القلب ولكن مغلق عليها نتيجة ختم القلب أو الطبع عليه وهذا في حالات الكفر، أما في حالات الإسلام والتي لم يصل صاحبها إلي مرحلة النفس المطمئنة فإن النفس المطمئنة أيضًا موجودة كعضو أو جهاز ولكن أصابة أو غطي عليه سواد أو غبار نتيجة الذنوب والتي تبدأ بنقطة سوداء وتزداد حتي تغلق القلب كما جاء في الحديث سابقًا [3] .
إذن التهيئة الحسية هي الإلهام لهذه الأنفس للعمل بمقتضي هذا الإلهام عند خرود الجنين وحتي الوصول إلي مرحلة البلوغ ولفظ الإلهام هذا هو الذي قصد به تهيئة هذه الأنفس في الآية {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [4] فجملة {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} تعني مرحلة التكوين وبعدها مرحلة الإلهام أو التهيئة الحسية والمعنوية في الجزء من الآية {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} وبالتالي لن يفلح من يعمل وفق الإلهام الخاص
(1) سورة الإنسان آية: (3)
(2) سورة البقرة آية: (7)
(3) جاء تخريج هذا الحديث ص 62 من هذا البحث
(4) سورة الشمس آية: (7 - 8)