الغربة وتلك الحالة المتقدمة من الزهد تمكنان هذا الفرد من العيش بسلام مع كل الأوساط وكل الأصناف من البشر [1] لأنه عرف طريقة وسطهم وعرف من هو ومن هم وساعده على كل ذلك حالة الانفصال الروحي التي وصل إليها بسبب الإدارة الذاتية للقلب عن طريق نفسه المطمئنة ونورها الذي يضئ له الطريق بأكمله سواء وسط هؤلاء البشر داخل العلاقة بين الفرد والفرد أو الطريق إلي الله داخل العلاقة بينه وربه من عبادات الخ، فالأمور كلها منظمة ومرتبة من قبل نور النفس المطمئنة قال تعالي {يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [2] وقد جاء في شرح ابن كثير لهذه الآية (أي طرق النجاة والسلامة ومناهج الاستقامة(ويخرجهم من الظلمات) أي ينجيهم من المهالك ويوضح لهم المسالك فيصرف عنهم المحذور ويحصل لهم أحب الأمور ويرشدهم إلي أقوم حالة) [3] وقال تعالي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [4] وجاء أيضًا في شرح ابن كثير لهذه الآية (يقول الله تعالي آمرًا عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم ويفعلوا الخير بجدهم وطاقاتهم ومخبرًا لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس سواء كان قريبًا منه أو بعيد(عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلي الله مرجعكم) أي فيجازي كل عامل بعمله إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر وليس فيه دليل علاترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان فعل ذلك ممكنًا، روي الإمام أحمد أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قام فحمد الله وأثني عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرئون هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) وإنكم تضعونها في غير موضعها وإني سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول: إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيرونه يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه) وروي الترمذي أن أبا أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية قال: أية آية؟ قلت: قول الله تعالي (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سئل رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال: بل إئتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتي إذا رأيت شحًا مطاعًا وهوي متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك العوام فإن من ورائكم أيامًا الصابر فيهن مثل القابض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلًا يعملون كعملكم)، قال عبد الله بن المبارك وزاد غير
(1) يدخل هذا ضمن العلاقة بين الفرد والفرد في حالات الإيمان المرتفع.
(2) سورة المائدة آية: (16) .
(3) شرح ابن كثير، تفسير سورة المائدة، ص 265.
(4) سورة المائدة آية: (105) .