(لايفقهون) (لايعلمون) الخ قال تعالى {أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ} [1] وقال تعالى {رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [2] وقال تعالى {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [3] وهكذا وما كل هذا التعدد في الصفات إلا نتيجة الزيادة في الغفلة من جانب العبد. وهنا إذا تجاوزت هذه الزيادة حد مرحلة الطبع سميت هذا الزيادة بالإفراط مما يعني التدخل الإلهي المباشر لجعل هذه الغفلة من الله مباشرة للعبد وهو ما جاء التعبير فيه في الجزء من الآية {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} والإفراط ممثلًا في الجزء من الآية {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} ليدل على أن الإفراط أدى إلي الغفلة من الله بعد أن كانت غفلة مستمرة منه هو وليس من الله ولكن الإفراط فيها أدى إلي تحولها من نفسه إلى الله لينعكس ذلك كله في الجوارح في صم بكم عمى كما جاء في الآيات. ولذلك فإنها النهاية للمشوار ولا رجعة لصاحبها كما جاء في الآية {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ} [4] وقد جاء في تفسير الجلالين لهذه الآية (صم) عن الحق فلا يسمعون سماع قبول (بكم) خرس عن الحير فلا يقولونه (عمى) عن طريق الهوى فلا يرونه (فهم لايرجعون) عن الضلالة
أما مرحلة الختم فهي مرحلة متوسطة بحيث تكون في درجة سالبيها أقل من الطبع الذي أصبح حسب الشرح أعلاه أعلى درجات السالبية الدينية بمعنى أن درجة الختم لم يصل صاحبها بالغفلة إلي درجة الإفراط ولذلك لم ينعكس الختم في الجوارح فيجعلها (صم بكم عمى) بل يجعلها في الدرجة الوسط وقد أعطى القرآن مثالًا لذلك جارحة العين فالختم لاينعكس إلي جارحة العين ليجعلها في حالة العمى كما في الطبع بل يجعلها في حالة الغشاوة قال تعالى {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [5] أما الختم فينعكس في الأذن في صورة عدم السماع و الفهم كما جاء في شرح القرطبي [6] مما يعني أنه ليس عدم سماع قبول ولكن درجة أعلى قليلا وهي عدم سماع الفهم الذي يتلاءم مع درجة الغشاوة في العين أما عدم سماع
(1) سورة الأعراف آية: (100) .
(2) سورة التوبة آية: (87) .
(3) سورة التوبة آية: (93) .
(4) سورة البقرة آية: (18) .
(5) سورة البقرة آية: (7) .
(6) راجع هذا الحديث ص.