وإذ حرصنا كل الحرص على إخراج هذا البحث، مرکزين كل الجهد على نشأة النفط وقيمته، مع الأحداث المتلاحقة في تطوره على الصعيد النفعي والاقتصادي في الولايات المتحدة وفي العالم، ارتأينا كذلك أن نسلط الضوء على جانب الدور الذي تلعبه هذه السلسلة الواسعة والمتشعبة من العلاقات التي نشأت عن التنقيب، والصناعة، والتجارة النفطية وضبط الأسعار من جراء سياسات الشركات النفطية متعددة الجنسيات منذ إنشائها وتسييرها للنظام العالمي وتأثيرها في صنع القرار.
ومن الطبيعي أن تركز دراستنا هذه على الجوانب التأثيرية في العلاقات الدولية من جراء
الصناعة النفطية ودور الشركات النفطية العظمى التي أصبحت وكأنها تسير هذا العصر وليس الأنظمة السياسية. ولكن لما كانت عوامل المصالح الاقتصادية والسياسية قد أصبحت أهم في كثير من الأحيان من العوامل الأخرى في تقرير شكل العلاقات بين الدول المضيفة والاستثمارات الأجنبية، فإنه لا يمكننا أن نتغاضى عن هذه العوامل بصفة كاملة.
لقد ارتبط تاريخ النفط والصناعات النفطية منذ نشأتها مجموعة من التناقضات العميقة في الاقتصاد النفطي الرأسمالي، والمرتبطة أساسا بالسيطرة الكاملة والمطلقة على الإنتاج والنقل والتسويق والتسعير. ولما كانت مختلف المراحل المرتبطة مباشرة بإنتاج النفط وصناعته، تتطلب استخدام الوسائل التكنولوجية المتطورة للتنقيب، والحفر، والإنتاج، والنقل، والتكرير، احتدم الصراع بين الدول الاستعمارية والإمبريالية من أجل السيطرة على منابع النفط وأسواقه في المستعمرات وشبه المستعمرات. إذ أن الشركات النفطية العظمى، والمتميزة بالمستوى العالي للاحتكار، وخاصة الشركات الأمريكية، سيطرت سيطرة تامة على عمليات الإنتاج العالمي للنفط لمدة طويلة من الزمن وحققت أقصى الأرباح في جميع المراحل من آبار النفط إلى محطات التوزيع من دون أي منازع.
مع العلم أن هذه الشركات الاحتكارية العملاقة كانت تتبع كل الأشكال والأساليب التي يتبعها الاستعمار القديم والجديد في سبيل تحقيق الأرباح الطائلة مهما كانت الظروف والوسائل، وتحويلها إلى البنوك المركزية للوطن الأم سعيا لدعم ميزانية الدول الصناعية القوية على حساب الدول المنتجة أولا، ثم على حساب الدول الرأسمالية غير المنتجة للنفط قصد استغلالها كلها في هذا المجال. وقد تلجأ هذه القوات