"كتب إلى السري، عن شعيب، عن سيف، عن مع ثمامة بن أثال - قال: وكان مسيلمة يصانع كل أحد ويتألفه ولا يبالي أن يطلع الناس منه على قبيح؛ وكان معه نهار الرجال بن عنفوة، وكان قد هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وقرأ القرآن؛ وفقه في الدين، فبعثه معلمًا لأهل اليمامة وليشغب على مسيلمة، وليشدد من أمر المسلمين؛ فكان أعظم فتنة على بني حنيفة من مسيلمة؛ شهد له أنه سمع محمدًا صلى الله عليه وسلم يقول: إنه قد أشرك معه؛ فصدقوه واستجابوا له، وأمروه بمكاتبة النبي صلى الله عليه وسلم، ووعدوه إن هو لم يقبل أن يعينوه عليه؛ فكان نهار الرجال بن عنفوة لا يقول شيئًا إلا تابعه عليه؛ وكان ينتهى إلى أمره، وكان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم، ويشهد في الأذان أن محمدًا رسول الله؛ وكان الذي يؤذن له عبد الله بن النواحة، وكان الذي يقيم له حجير بن عمير، ويشهد له، وكان مسيلمة إذا دنا حجير من الشهادة، قال: صرح حجير؛ فيزيد في صوته، ويبالغ لتصديق نفسه، وتصديق نهار وتضليل من كان قد أسلم؛ فعظم وقاره في أنفسهم."
قال: وضرب حرمًا باليمامة، فنهى عنه؛ وأخذ الناس به، فكان محرما فوقع في ذلك الحرم قرى الأحاليف؛ أفخاذ من بني أسيد، كانت دراهم باليمامة؛ فصار مكان دراهم في الحرم - والأحاليف: سيحان المارة ونمر والحارث بنو جرة - فإن أخصبا أغاروا على ثمار أهل اليمامة، واتخذوا الحرم دغلا، فإن نذروا بهم فدخلوه أحجموا عنهم؛ وإن لم ينذروا بهم فذلك ما يريدون. فكثر ذلك منهم حتى استعدوا عليهم؛ فقال: أنتظر الذي يأتي من السماء فيكم وفيهم. ثم قال لهم: (والليل الأطحم، والذئب الأدلم. والجذع الأزلم، ما انتهكت أسيد من محرم) ؛ فقالوا: أما محرم استحلال الحرم وفساد الأموال! ثم عادوا للغارة، وعادوا للعدوى فقال: أنتظر الذي يأتينى، فقال: (والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسيد من رطب ولا يابس) ؛ فقالوا: أما النخيل مرطبة فقد جدوها، وأما الجدران يابسة فقد هدموها؛ فقال: اذهبوا وارجعوا فلا حق لكم.
وكان فيما يقرأ لهم فيهم: (إن بني تميم قوم طهر لقاح، لا مكروه عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كل إنسان؛ فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن) .
وكان يقول" (والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها. والشاة السوداء واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق، فما لكم لا تمجعون!.) "