بابل (راجع فهرست ابن النديم) .
عندما كان (ماني) في سن الرابعة، رحل به والده (فاتك) إلى قرية في ولاية ميسان جنوب العراق. ويبدو أن قرار الرحيل قد اتخذه الأب بعد أن تلقى ثلاث مرات نداءات إلهية بينما كان يتعبد في إحدى المعابد البابلية، تدعوه الى الرحيل إلى ميسان وكذلك تجنب الخمرة واللحم والجنس. في ميسان اعتنق (فاتك) دين الصابئة الذين يتكلمون لهجة آرامية قريبة إلى السريانية. وكان هذا الدين سائدًا في جنوب العراق قبل هيمنة المسيحية، ويسميه العرب كذلك (دين المغتسلة) بسبب تقديسهم لعملية التطهر بالماء. وهو دين مزج بين روحانيات العرفانية والمسيحية (الشامية) مع رموز عبادة الكواكب البابلية، ويرتبط باسم النبي يحيى أو (يوحنا المعمدان) (لمزيد من المعلومات راجع الثقافة الجديدة- 248 - ص 25) .
بقي (ماني) صابئيًا حتى سن الواحدة والعشرين، بعدها بدأ تأثره مباشرة بالمسيحية وخصوصًا بالتجربة الحياتية للسيد المسيح وعذابات صلبه. وتذكر التقاليد المانوية أنه في سن الرابعة والعشرين، في 23 نيسان 240 م. تلقى (ماني) رسالة النبوة من الله بواسطة الملاك (توأم - توما) ، على أنه هو (الروح القدس) الذي بشر به النبي عيسى. حينها بدأ (ماني) يعلن أنه (نبي النور) و (المنير العظيم المبعوث من الله) ، نتيجة هذا تم طرده من الطائفة الصابئية.
رحل (ماني) مع أبيه وإثنين من أصحابه إلى بابل، منها قام بأول رحلة عبر بلاد فارس ثم الى الهند وبعدها إلى بالوشستان، حيث عاين ودرس الأديان السائدة من زرادشتية وبوذية وهندوسية. بعد عامين (242 م) عاد (ماني) إلى ميسان بحرا عبر الخليج. وتذكر المصادر التاريخية أن ثمة قبائل عربية قادمة من عمان كانت متنفذة حينذاك في ميسان تحت سيطرة الحكم الفارسي (راجع ايران في عهد الساسانيين - ص 75) .هناك شاءت الظروف، أن يخوض (ماني) تجربة مشهودة مكنته من فرض تأثيره على حاكم ولاية ميسان الفارسي (مهرشام) وكسبه الى جانب المانوية. وكان (مهر شام) هذا ايضًا شقيقًا للأمبراطور الأيراني (شاهبور) ، حيث توسط لدى أخيه ليسمح لـ (ماني) بنشر دينه دون مضايقة. ومن المعروف عن (ماني) أنه بالاضافة الى شخصيته النبوية، فإنه كان طبيبًا ونقاشًا ورسامًا وكاتبًا ومترجمًا. وهو النبي الوحيد الذي قام بنفسه بكتابة إنجيليه وباقي كتبه المعروفة التي تزيد على سبعة، بينها كتاب مزين برسوم توضيحية ملونة، يعتقد أنها شكلت الأساس الأول لانبثاق فن النمنمة العراقي العربي ثم الفارسي والتركستاني (راجع الموسوعة الكونية - المصدر نفسه) .