أرض الوطن أعطت لمؤيدي فكرة الهجرة الفرصة السانحة لأن يدخلوا في (( حوار مغلق هادئ مع كبار رجال الدولة في أورفة من أجل الرحيل ) ).بعبارة أخرى نحن نواجه مؤامرة تهدف إلى اقتلاع الشعب البريء من جذوره وتشريده في أرض الله الواسعة. ولا يحق لأحد أن يسجل هذا الكلام الخطير في صفحات تاريخ شعب إلا إذا كان واثقا من مصادره. ما يهمنا أن نعرفه أولًا: أن التركيز هو على أرض الوطن الغالي، أرض التراث والحضارة والعطاء، والارتباط بالأرض هو من أقوى مقومات ديمومتنا، وثانيا: الشعب كان بريئا مما خطط له ونفذ. ولهذا نقول أن الهجرة الجماعية لا علاقة لها بالقضاء والقدر، بل جاءت تنفيذا لرغبات ومخططات بعيدة عن الروح الإنسانية، ومطامعها البعيدة المدى كشفتها الأيام، وما الرجال الذين تصدروا واجهة الأحداث سوى دمى كرتونية أدت دورها بشكل متقن ونالت لعنة الأجيال لأنها كانت جاهلة وغبية.
وأهمية هذا الكتاب تتجلى في أن مؤلفه شاهد عيان للحدث التاريخي الهام الذي فتح صفحة جديدة في حياة الرهاويين. فالرحيل عن أرض الجدود كان آخر ما تفكر به الجماعة بأسرها، ومع الرحيل يكشف لنا الملفونو نامق اهتمام الرهاويين بالأمانة والرسالة، فإيمان الآباء والجدود، وطقوس والحان الكنيسة، والمخطوطات والآنية الكنسية، ما خف وزنه وزادت أهميتة، حملوها معهم لتبقى شهادة لهم في أرض سورية المعطاءة وهي التي أبعدتهم عن إغراءات ووعود الذئاب المفترسة والوحوش الكاسرة التي رأت في السريان المهجرين البائسين صيدًا ضعيف الجناح فأرادت أن تزيد من جراحاتهم فتخطفهم لتغير معالم حضارتهم.
في رسالة العلمانيين العاملين في مجالات الإدارة والتربية والمال دليل على دور العلماني في مسيرة الحياة الكنسية، وهذا تقليد شريف سارت عليه كنيسة انطاكية السريانية عبر العصور، وتناقلته المجامع العامة والبطريركية وأصبح مادة مهمة في دستورها ونظامها، فإذا كان انتخاب الأساقفة والكهنة يعود بالدرجة الأولى لصوت الشعب الحي، فكم بالأحرى أن يبقى الاشتراك بين الاكليروس والعلمانيين رمزا لوحدة الكنيسة؟ ومن هنا التركيز على النشاطات في مختلف المجالات التربوية والانسانية والكشفية والرياضية والعمرانية التي يؤديها الرجال والنساء على السواء.
ومن الملاحظ أن الكنيسة كمبنى والمدرسة، هما في مقدمة أولويات مشاريع الملة.