فهرس الكتاب

الصفحة 242 من 253

المواضيع الحساسة يبقى في رأينا مدخلا لدراسة أعمق وأوسع وأكمل في المستقبل، ونعطي مثلا هجرة المسيحيين المشرقيين قبل وبعد الحرب العالمية الأولى. وقد نحتاج في هذا المجال بالذات إلى المزيد من البحث والاستقصاء والتفتيش في أرشيف مكتبات الشرق والغرب، لنكتشف أجوبة لأسئلة منها: هل الدوافع وراء الهجرة هي مجرد توجهات وتطلعات لتغيير المكان والوجوه وربما النظام السياسي؟ أم هنالك محاولات جادة للبحث عن الهوية وتحديد مقومات الجماعة التي ينتمي لها الفرد؟ لقد ذوب الاستعمار العثماني كل فكر يدعو للتجمع على أساس عرقي أو حتى مذهبي، وفي عهدهم رفض المسيحيون أن يعدوا من بين الأقليات المطحونة، بالرغم من أن ادعاءات الغرب كانت تدعو دائما إلى الاحتماء به والولاء له بدل أن يكون للأرض والوطن، وموقف الكنيسة الوطنية كان واضحا ودعوتها كانت لنبذ الفتن ومحاربة التعاليم الغريبة وعدم التساهل مع من يصطاد في الماء العكر. ومع كل هذا لم يظهر في تاريخ المنطقة الحديث منه خاصة، أي إعلان مسيحي بحت يرفض نظاما سياسيا، رغم محاولات أفراد لعبوا دورا هاما على ساحة الفكر وأدت خدماتهم وأفكارهم إلى نتائج إيجابية كان فيها الخير العميم للوطن. ولهذا أيضا لا ننكر أن الغالبية الساحقة من المسيحيين في هذا الشرق فضلت أن تبني لنفسها مجتمعا جديدا خاصا، له صبغة روحية عميقة وبعد تراثي كنسي أغلبه مرتبط بالقرون الغابرة، ولكن دائما يتمحور حول رئاسة الكنيسة، ولهذا أضحت الكنيسة مرجعا لهم في كل مجالات الحياة وبقيت العلاقة بين المسيحيين والسياسة ضعيفة جدا لأن قيادتهم كانت روحية محضة، وكل أشكال الإصلاح الداخلي والخارجي كان يراد به في الواقع الكنيسة ورجالاتها 0

لا نقف في صفحات الكتاب على دور قيادي لسياسيين سريان متمرسين تبنته الكنيسة وانتهجته في مسيرتها الطويلة خلال كل الأحداث التي يصورها لنا المؤلف بريشة صادقة. وإذا ربطت الكنيسة نفسها بالدولة في مناسبة ما ليس إلا من باب التأكيد على أنها جزء من المجتمع العام. وعندما نقول هذا لا يغيب عن بالنا اتجاهات أخرى برزت على ساحة الكنيسة كانت لها دوافع ما زالت بعضها مجهولة حاولت الابتعاد عن الكنيسة والارتباط بفكر حر ونسميه عادة بالتيار العلماني وأخذ يبحث في الهوية والذات ويدعو إلى التعامل معها بدلا من رجال الدين.

في (( الوقفة مع الماضي القريب ) )نستدل من الأحداث في أوائل القرن العشرين المقرونة بالصخب والفوضى أن للحوادث جوازا لا يمكن التنبؤ به. والمؤلف يفترض أن تكون الحقيقة الإنسانية والاجتماعية معبرة عن سلامة قلب شعبه ومحبته للوطن وعمله لخيره وصالحه، ولكن (( البلبلة المصطنعة ) )والإشاعات المغرضة الداعية إلى تضليل الشعب الحريص على البقاء في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت