يعتبر تاريخ الجزيرة الفراتية من أعقد البحوث التوثيقية نظرًا لما يعتريه من تنوع إثني وثقافي وإيديولوجي، ذلك أن هذا المثلث الصغير يعتبر واسطة العقد التي تربط بين الشرق وبين الغرب وبين الشمال (أوروبا) .
ومن حيث المبدأ، يعود التاريخ الموضوعي المعتمد لدى الباحثين في التاريخ ـ وبصورة خاصة لتلك المنطقة المعروفة بأسماء متعددة، تبعًا لتعدد الأمم والشعوب التي سيطرت، وتحاول السيطرة عليها ــ إلى أيام"سرجون"الأول الكبير (سوريان، أو: شارو خان، أو: شارو كين) الذي احتل الهند مع قومه (الآريين) ووصل إلى الخليج العربي (فارس والعراق) وأخضع سكانه، وأسكن"الكلدانيين"من قومه (ومنهم"الآرمان"أي: الأرمن) محل السكان الأصليين. وهؤلاء الآرمن سوف يعرفون لاحقًا باسم (الأرمانيين) و"الآراميين"؛ وكل أمة أو شعب من هؤلاء، حاول ــ ولا يزال يحاول الى يومنا هذا ــ أن يزعم ويدعي لنفسه ملكية الأرض والتاريخ والحضارة والثقافة واللغة. وفي خضم هذا النزاع المستمر ــ بشكل أو بآخر ــ تبرز قصة سجاح التي فتحت لنا المجال لمناقشة تلك المحاولات، باعتبار أن حركتها الثورية نشكل جزءًا من هذا الصراع الفكري والسياسي والثقافي والحربي الذي نشهده اليوم ..
يقول الأسقف الكلداني"أدي شير"في كتابه (تاريخ كلدو وأثور) :"ثم بعدما غلب العنصر الآرامي ( ... ) على سكان كلدو القدماء، انتصرت أيضاَ ديانته على ديانتهم، فكان الكلدان الآراميون يعتقدون بثلاثة آلهة ... (1) وبعد أن يصف كل واحد من هذه المعبودات، يختم الفصل الثاني بقوله:"هذه كانت ديانة الكلدان والأثوريين. وقد وجد بينهم من سجد لإله واحد حقيقي ( ... ) .فإن بعض المدارس ــ ومنها مدرسة مدينة أريدو (عريضة) كانت تعلّم وحدانية (الله) تعالى، فتقدم الصلوة لإله واحد لا بدء له ولا نهاية .. (2) وهذا مما يدل على أن السكان الأصليين في تلك المنطقة كانوا من العرب أبناء إبراهيم، ممن لا يعرفون لهم غير الإسلام دينًا، على قواعد توراة موسى، وصحف إبراهيم.
ونلاحظ هنا كيف أن ثقافة السكان الأصليين العرب من بني إسماعيل، قد تلاشت تمامًا وامحى وجودهم القومي ــ على الأقل في ثقافة الشعوب غير العربية، ليظهر بدلًا منهم: الكلدان ــ في جنوب العراق ــ والأثوريون ــ في شمال شرق العراق على حدود الميديين (ماداي) ، حيث سارت جميع المؤرخات الفكرية والثقافية على درب تزوير التاريخ، وسرقة التراث،