قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (البقرة: 245) ، وقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 261) .
وروى مسلم عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: (جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة، كلها مخطومة) [1] .
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أنفق زوجين في سبيل الله، نودي في الجنة: يا عبد الله هذا خير فتعال! فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من أهل الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان. قال أبو بكر الصديق: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، فما على من يدعى من تلك الأبواب كلها من ضرورة. فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. وأرجو أن تكون منهم) [2] .
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أنفق زوجين في سبيل الله، دعاه خزنة الجنة، كل خزنة باب يقولون: أي فل: هلم! فقال أبو بكر: يا رسول الله: ذلك الذي لا توى عليه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو أن تكون منهم) [3] .
وروى مسلم عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفضل دينار ينفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله) [4] .
ومن روائع حكايات المنفقين في سبيل الله حكاية المرأة التي قدمت زوجها وأبناءها شهداء في سبيل الله، وأنفقت مالها في سبيل الله، بل وقصت شعرها وتصدقت به في سبيل الله. وقد أورد قصتها مفصلة أحمد ابن الجوزي الدمشقي نقلًا عن الذي قصها وهو أبو قدامة الشامي.
وخلاصة القصة: (أن أبا قدامة الشامي رجل حبب الله له الجهاد في سبيل الله، وقد خاض معارك عديدة في غزوة الروم. وجلس يومًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحدّث عن بعض غزواته. فطلب منه الجالسون أن يحدثهم عن أعجب قصصه في الجهاد. فأخبرهم عن أعجب ما وقع له في الجهاد: أنه توجه يومًا لحرب الروم، فمر بمدينة الرقة على نهر الفرات، ليشتري منها جملًا يجاهد عليه. وبينما كان في الرقة أتته امرأة، وأخبرته أنها تريد أن تتصدق للجهاد بشعرها، وأنها قصت شعرها، وعفرته بالتراب، وطلبت منه أن يأخذ ذلك الشعر ليكون عقالًا وخطامًا لخيل المجاهدين. وأخبرته أن زوجها خرج للجهاد يومًا، فلقي الله شهيدًا، وأن أولادها خرجوا للجهاد، فلقوا الله شهداء، ولم يبق من أولادها إلا فتى عمره خمسة عشر عامًا، ورغم صغر سنه إلا أنه كان صوّامًا قوّامًا، حافظًا للقرآن، فارسًا مجيدًا للقتال، وكان من أجمل وأحسن الفتيان! وأخبرته أن هذا الفتى خارجٌ بعيدًا عن المدينة، وإن جاءها فسوف ترسله للجهاد معه، وتقدّمه هدية لله، وترجو الله له الشهادة. انتظر أبو قدامة مجيء الفتى فلم يأت، فسار بأصحابه المجاهدين من الرقة، متوجهين لقتال الروم، وساروا أيامًا. وبينما كانوا سائرين لحق بهم ذلك الفتى المجاهد الفارس على فرسه، وكلّم أبا قدامة، وعرّفه على نفسه، أنه ابن تلك المرأة، وأن والده وإخوانه لقوا الله شهداء، وهو يريد أن ينال الشهادة مثلهم. وحاول أبو قدامة أن يرده لصغر سنه، وخشي عليه، ولكن الفتى أصر على مصاحبتهم للجهاد، وأخبره أنه عارف بالفروسية والرمي، حافظ للقرآن، عالم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه يريد أن يكون الشهيد ابن الشهيد! وأخبر الفتى أبا قدامة أن أمه ودعته، وأنها طلبت منه أن يحرص على الشهادة، وأن لا يفر من الكفار ولا يوليهم الأدبار، وأن يهب نفسه لله، ويطلب مجاورة أبيه وإخوانه وأخواله الشهداء. تأثر أبو قدامة بما سمع واصطحب معه الفتى الفارس. ولما اقتربوا من معسكر الروم حان وقت غروب الشمس، وكان المجاهدون صائمين، فتطوع الفتى الفارس بطبخ طعام إفطارهم. ونام الفتى نومة، ونظر إليه أبو قدامة، فإذا هو يضحك أثناء نومه، فدعا أصحابه إلى أن ينظروا له وهو يضحك، متعجبًا من ذلك. فلما استيقظ الفتى الفارس سأله أبو قدامة وأصحابه عن سبب ضحكه أثناء نومه، فأخبرهم أنه رأى رؤيا في منامه أضحكته! أخبرهم أنه رأى نفسه في روضة خضراء، وفي وسطها قصر من ذهب وفضة، وعليه ستور مرخاة، وفي القصر جوارٍ وجوههن كالأقمار، ولما رأينه نزلن إليه ليرحبن به، فمد يده لإحداهن، فقلن له: لا تتعجل أنت زوج المرضية، وهي في القصر! فصعد إلى القصر فرأى جارية كأنها الشمس، وحسنها يبهر الأبصار، فرحبت به، وأخبرته أنه لها وأنها له، ولما مد يده إليها قالت له: لا تتعجل، والميعاد بيني وبينك غدًا عند صلاة الظهر، فأبشر. فاستبشر الفتى الفارس وضحك فرحًا في نومه. وفي الصباح وصلوا معسكر الروم، ونشبت المعركة عنيفة، وهجم الروم على المجاهدين، فتصدى لهم الفتى الفارس مع إخوانه المجاهدين، وحاربهم ببسالة، وقتل منهم كثير. وطالت المعركة وقتل أناس من الفريقين، وانتهت المعركة بانتصار المسلمين. وراح أبو قدامة يبحث عن الفتى الفارس. فإذا به صريعًا جريحًا، والدماء تنزف من جسمه، وقد علاه الغبار. ولما أقبل عليه وأخبره أن رؤياه قد صدقت، وأن الحورية التي رآها في المنام واقفة على رأسه، تنتظر خروج روحه! وطالب الفتى أبا قدامة أن يأخذ ملابسه المخضبة بدمائه لأمه، لتعلم أنه لم يضيع وصيتها. ثم نطق بالشهادتين، وأسلم روحه ولقي الله شهيدًا. فكفنوه في ثيابه، ودفنوه في مكانه. وعاد أبو قدامة إلى الرقة، ومر من أمام بيت المرأة، أم الشهيد، فشاهد أخته الفتاة الصغيرة تقف على باب البيت تسأل القادمين عن أخبار أخيها المجاهد. فاستأذن أن يكلم أمها. خرجت أمها، ولما رأته قالت: أجئت معزيًا أم مبشرًا يا أبا قدامة؟ قال لها: ما الفرق بين البشارة والتعزية؟ قالت: إن رجع ولدي سالمًا معكم فأنت معزٍ، وإن قتل ولدي شهيدًا في سبيل الله فأنت مبشر؟ قال لها: أبشري لقد قبل الله هديتك، ولقي ابنك الله شهيدًا. ففرحت وقالت: الحمد لله الذي جعله ذخيرة لي يوم القيامة) [5] .
(1) أخرجه مسلم برقم: 1892
(2) فتح الباري برقم: 1897 ومسلم برقم: 1027
(3) أخرجه مسلم برقم: 1027
(4) أخرجه مسلم برقم: 994
(5) سوق العروس وأنس النفوس: 1/ 285 - 290