اعلم أن معية الله لعباده نوعان:
الأولى؛ معية عامة: وهي معية الإحاطة والعلم، وهذه معية عامة شاملة، تشمل المسلمين والكفار جميعًا، فالله يعلم ما يفعله عباده، وهو محيط بهم سبحانه، ومما يدل على هذه المعية قوله تعالى: {هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم} (الحديد: 4) .
الثانية؛ معية خاصة: وهي معية المعونة والنصر والتأييد والكفاية، وهي خاصة بالمؤمنين العابدين الصالحين. ومما يدل على هذه المعية قوله تعالى: {إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} (التوبة: 40) ، وقوله تعالى: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السِلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم} (محمد: 35) .
وهذه المعية الخاصة منوطة بالعبودية الخاصة من شوائب المخالفات! فمن كان عبدًا لله حقًا فلا غالب له، لان الله معه، وهو ناصره ومؤيده. قال تعالى: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} (محمد: 11) .
ومتى أخل المجاهد بشي من صفات العبودية، أو تجرد عن شي من مظاهر الإيمان، وصار مشابها ً للأعداء بوجه من وجوه الشبه، وهذا يؤدي إلى شيئ من الظلام والران على قلبه، ويؤدي إلى إصابته بشيء من الرعب والجبن والذلة والخذلان، وبقدر عظم المخالفة وصغرها يكون تأثير هذه الصفقة الذميمة فيه، وبذلك لا ينال النصر والظفر.
ألا تتأمل قصة حنين؟ عندما قال أحد المسلمين: (لن نغلب اليوم من قلة وكانوا اثني عشر ألفا) ! قال تعالى: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئًا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} (التوبة: 25) .
وقال تعالى عما حصل يوم أحد: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا(آل عمران: 155) .
روى الترمذي عن أبن عباس رضي الله عنهما قال: (كنت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات؛ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فأسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وأن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام، وجفت الصحف) [1] .
وقد كان المجاهدون السابقون حذرين من الذنوب والمعاصي، لأنهم يعلمون أثرها السيء على سير المعركة، وإنها قد تقود للهزيمة.
(1) سنن الترمذي: 4/ 76 وقال حديث حسن صحيح. ورواه أحمد بإسناد حسن 1/ 293 ورواه أيضا بنحوه 1/ 303_307