قال القرطبي: (الذي عليه معظم العلماء أن حياة الشهداء محققة، وأنهم أحياء في الجنة يرزقون فيها، كما أخبر الله تعالى. وذهب بعض العلماء إلى أن أرواحهم ترد إلى أجسادهم وهم في قبورهم، فيتنعمون فيها) .
وقال مجاهد: (يرزق الشهداء من ثمر الجنة، ويجدون من ريحها، مع أنهم ليسوا فيها) .
ولكن الراجح الصحيح هو؛ أن أرواح الشهداء في جوف طيرٍ خضر، وأنهم في الجنة، يرزقون ويتنعمون ويأكلون. لأنه هو الذي دلت عليه النصوص السابقة من الآيات والأحاديث.
والشهداء ليسوا على رتبةٍ واحدة عند الله، فهم متفاوتون في المكانة، ومتفاوتون في المكان. وسبب ذلك التفاوت هو تفاوتهم في درجات إخلاصهم، وسماحة أنفسهم بأنفسهم، وتفاوتهم في ما كانوا عليه قبل الاستشهاد من الأعمال الصالحة:
-من الشهداء من تكون روحه في جوف طير أخضر، يرعى في الجنة حيث شاء، ثم يأوي إلى قناديل معلقة في ظل العرش!
-ومن الشهداء من يكون على بارق نهر بباب الجنة، يأتيهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيًا!
-ومن الشهداء من يطير مع الملائكة في الجنة حيث يشاء!
-ومن الشهداء من يكون على أسرةٍ في الجنة!
-وإن الأرض لا تأكل أجساد الشهداء؛ روى مالك وابن سعد عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة: (أنه بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاريين كانا قد حفر في السيل قبرهما مما يلي السيل، وكانا في قبر واحد وهما ممن استشهد يوم أحد، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما، فوجدا لم يتغيرا، كأنما ماتا بالأمس. وكان أحدهما قد جرح فوضع يده على جرحه، فدفن وهو كذلك، فأميطت يده عن جرحه، ثم أرسلت، فرجعت كما كانت! وكان بين يوم أحد وبين حفر عنهما ست وأربعون سنة) [1] !
(1) موطأ مالك: كتاب الجهاد: 2/ 470 وطبقات ابن سعد: 3/ 562 - 563 وسير أعلام النبلاء 1/ 255 قال شعيب الأرنأؤوط: رجال مالك ثقات، لكنه مرسل وأخرجه ابن سعد من طريق الوليد بن مسلم حدثني الأوزاعي عن الزهري عن جابر. وهذا سند صحيح كما قال الحافظ في الفتح 3/ 213.