اعلم أن الجبن ضد الشجاعة والشجاعة هي ثبات القلب على عزمه فيما يتوجه إليه مما يراد منه، والقلب هو الأصل في اكتساب كل كمال والفوز بكل مقام عال، فإن ضعف القلب لقصور وتفريط في القوة كان ذلك الضعف سببا في الجبن، وإن إفراط القلب في القوة وخرج عن الاعتدال كان ذلك الإفراط سببا في التهور، والجبن والتهور كلاهما مذموم، والمطلوب هو اعتدال القلب بين التفريط والإفراط، وذلك الاعتدال هو سبب الشجاعة، واعلم أن قوة النفس والعزم الجازم على الغلبة والظفر سبب للظفر.
وقد سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (كيف كنت تصرع الأبطال؟ قال: كنت ألقي الرجال فأقدر أني أقتله ويقدر هو أيضا أني أقتله، فأكون أنا ونفسه عونا عليه) .
ومن وصايا بعضهم في الحرب: أشعروا قلوبكم في الحرب الجرأة فإنها سبب للظفر والنصر. ومن كلام القدماء: من تهيب عدوه فقد جهز إلى نفسه جيشا.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إنا لنصافح أكفا نرى قطعها) .
وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي:(اعلم أنا الشجاعة على ثلاثة أوجه:
الأول: رجل يقف بين الصفين يتحدى وينادي ويطلب المبارزة ويقول: هل من مبارز؟
الثاني: رجل يكون رابط الجأش ساكن القلب حاضر اللب عند نشوب القتال واختلاط الجيشين وخوف الآخرين فهو لم تخامره الدهشة ولم تخالطه الحيرة ويتصرف تصرف المالك لأمره القائم على نفسه.
الثالث: رجل إذا أنهزم أصحابه كان وسطهم يضرب في وجه القوم ويحول بينهم وبين عدوهم ويقوي قلوب أصحابه ويرجى ضعيفهم ويمدهم بالكلام الجميل ويشجع نفوسهم، فمن وقع منهم أقمه ومن وقف حمله ومن سقط عن فرسه كشف عنه حتى ييئس العدو منه، وهذا الثالث أحمدهم شجاعة وأفضل الشجعان، واعلم أن غاية الشجاعة عند الشجاع هي أن يهبه الله ملكة خاصة يقدر بها من على قهر أعدى أعدائه وهو نفسه التي بين جنبيه).
روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) [1] .
واعلم أن الإقدام لا يقدم أجلًا، وأن الجبن لا يطيل عمرًا، ولهذا قال العرب: الشجاعة وقاية، والجبن مقتلة، وهو شر خصال الرجال.
روى أبو داود وابن حبان عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (شر ما في الرجل: شح هالع، وجبن خالع) [2] .
وهذا لاشك فيه، فمن أيقن الأجل لايزيد ولا ينقص، لم يجبن ولم يخف ولم يفرمن الميدان.
قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (الأعراف من الآية؛ 34) .
روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يومًا فقال: يا غلام! إني أعلمك كلمات؛ احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سالت فأسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشي، لم ينفعوك إلا بشي قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشي لم يضروك إلا بشي قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف) [3] .
(1) رواه البخاري في الأدب: 7/ 19 ومسلم في البر والصلة: 4/ 2014برقم: 2609
(2) والحديث صحيح.
(3) رواه الترمذي في صفة القيامة: 4/ 667 وقال: هذا حديث حسن صحيح. والحديث صحيح.