قال تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَاتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة: 24) ، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلا قَلِيلٌ * إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (التوبة: 38 - 39) .
قال الإمام القرطبي حول هذه الآية: (هذا توبيخ من الله على ترك الجهاد، وعتاب على القعود وعدم المبادرة إلى الخروج. ومعنى قوله: {اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ ... } ؛ تثاقلتم إلى نعيم الأرض، أو إلى الإقامة بها. والتثاقل عن الجهاد، مع إظهار الكراهة له حرام على المسلم. وإذا عين الإمام قومًا، وأمرهم بالجهاد، لا يجوز أن يتثاقلوا عنه، لأنه بتعيين الإمام لهم، صار الجهاد فرض عين عليهم) [1] .
وروى أبو داود وأحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًا، لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ... ) [2] .
والمعنى أنه إذا ترك الناس الجهاد، وأقبلوا على الزرع ونحوه، تسلط عليهم العدو، لعدم تأهبهم له، وعدم استعدادهم لمواجهته، ولرضاهم بما هم فيه من الأسباب الدنيوية، ولذلك يوقع الله بهم الذل والهوان عقوبة لهم، ولا يتخلصون منه حتى يرجعوا إلى أداء ما أوجبه الله عليهم، من جهاد الكفار، وإقامة الدين، ونصرة الإسلام وأهله.
وإذا ترك الناس الجهاد فإن الله يضربهم بالفقر أيضًا عقابًا لهم.
ولذلك تجد أن الناس لما أعرضوا عن الجهاد وأقبلوا على الدنيا من المباحات أو حتى من المحرمات سلط الله عليهم ذلًا وفقرًاحتى يرجعوا إلى دينهم الحق وإقامة الجهاد في سبيل الله.
فتجد المجاهد يأخذ رزقه وعزه بالسيف بعد الله عز وجل، فهو معزز مكرم في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَاتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} (المائدة: 54) ، وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من مات ولم يغزُ، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق ... ) [3] .
(1) تفسير القرطبي: 8/ 140
(2) أخرجه أبو داود: 3/ 740. وأحمد في المسند بتحقيق أحمد شاكر 7: 33 برقم: 4825 وقال: إسناده صحيح.
(3) مسلم برقم: 1910