فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 71

للشهداء فضائل عديدة عند الله، أخبرنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الأولى: لا يدخل أحد الجنة ويحب أن يخرج منها، ولو أعطي ما في الدنيا جميعًا، إلا الشهيد. فإنه يتمنى أن يرده الله إلى الدنيا، ليقتل في سبيل الله، لما يرى من فضل الشهادة وكرامة الشهيد.

وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من أحد يدخل الجنة، يحب أن يرجع إلى الدنيا، وأن له ما على الأرض من شيء، إلا الشهيد، فإنه يتمنى أن يرجع إلى الدنيا، فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة) [1] .

الثانية: الشهادة في سبيل الله تكفر ما على العبد من الذنوب التي بينه وبين الله.

وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يغفر للشهيد كل شي إلا الدين) ، وفي رواية أخرى قال: (القتل في سبيل الله يكفر كل شي إلا الدين) [2] .

وقال القرطبي في التفسير: (الدين الذي يحبس صاحبه عن الجنة - والله أعلم - هو: الدين الذي لم يوص بأن يدفع مع أنه ترك له وفاءً وسدادًا من تركته، أو الدين الذي قدر على أدائه، ولم يؤده مماطلة، أو الدين الذي استدانه في سفهٍ وسرف، ولم يوفه لأصحابه) .

أما من استدان في حق واجب كفقر وعسر، ولم يستطع أداءه لضيق ذات يده، ومات وهو عاجز عن أدائه، فإنه إن مات شهيدًا فإن الله لا يحبسه عن الجنة.

والأصل أن يؤدي السلطان عن المدين العاجز عن الأداء دينه، إما من الصدقات أو من سهم الغارمين أو من مال الفيء. ودليل هذا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما من مسلم إلا وأنا أولى الناس به في الدنيا والآخرة! اقرءوا إن شئتم قوله تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم} ، فأيما مؤمن مات وترك مالًا فليرثه عصبته، ومن ترك دينًا أو ضياعًا، فليأتني فأنا مولاه) [3] .

وإن لم يؤد السلطان عنه دينه، فإن الله يرضي خصمه الدائن عنه، بحيث يتنازل عن حقه.

روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله) [4] .

الثالثة: الملائكة تظلل الشهيد بأجنحتها.

روى البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (جيء بأبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد مثل به، فوضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قوم! فسمع صوت نائحة فقيل: ابنة عمرو، أو أخت عمرو. فقال صلى الله عليه وسلم: لم تبكين؟ - أو؛ لا تبكي - ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها) [5] .

الرابعة: الشهادة الخالصة في سبيل الله توجب دخول الجنة قطعًا.

قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقتلون} (التوبة: 111) .

روى البخاري عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رأيت الليلة رجلين آتياني، فصعدا بي الشجرة، فأدخلاني دارًا هي أحسن وأفضل، لم أر قط أحسن منها ... وقالا لي: أما هذه الدار فدار الشهداء) [6] .

الخامسة: عندما يقتل الشهداء في سبيل الله فإن الله يجعل أرواحهم في أجواف طير خضر في الجنة.

روى مسلم عن مسروق قال: (سألنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون} ؟ فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل! فاطلع إليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئًا؟ قالوا: أي شي نشتهي، ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟ ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا رب نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا حتى نقتل في سبيلك مرةً أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة تركوا) [7] .

ولعل الحكمة في جعل أرواح الشهداء في أجساد الطيور الخضر، أنهم جاهدوا في سبيل الله، وجادوا بأجسادهم الكثيفة لله تعالى، وبذلوها في حب الله، وعرضوها للآلام والمشقات الشديدة وسمحوا بها للفناء، امتثالًا لأمر الله! فلما فعلوا ذلك عوضهم الله عنها أجسادًا لطيفة في دار النعيم الباقي.

ولعل الحكمة في اختيار الطيور ذوات اللون الأخضر والقناديل المعلقة في ظل العرش هي: إن ألطف الألوان هو اللون الأخضر. وألطف الجمادات الشفافة هو الزجاج. ولذلك جعل الله أرواح الشهداء في ألطف الأجساد، وهو الطير، واختار ألطف الألوان وهو الأخضر، ويأوي ذلك الطير الأخضر إلى ألطف الجمادات وهي القناديل المنورة والمفرحة في ظل العرش، لتكمل لها لذة النعيم في جوار الرب الكريم!

والفرق بين الشهيد وروح المؤمن غير الشهيد؛ أن روح الشهيد في جوف طير أخضر، فكأنها تركب ذلك الطير. أما روح المؤمن فإنها على شكل طيرٍ في الجنة، فكأنها تطير بنفسها.

السادسة: الشهداء لا يفتنون في قبورهم ولا يصعقون عند نشورهم.

ولا يفتن الشهيد في قبره، لأنه كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة. إن الفتنة في القبر إنما هي لاختبار ما عند الإنسان من حقيقة الإيمان والتصديق.

ولا شك أن من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع، والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق وتمرق، والرؤوس تندر، والدماء تثعب، والأعضاء تتطاير، والناس بين قتيل وجريح وطريح، إن من رأى ذلك فثبت ولم يول الدبر ولم ينهزم، وإنما جاد بنفسه لله تعالى، إيمانًا به، وتصديقًا بوعده ووعيده، إنما يكفيه هذا امتحانًا لإيمانه، واختبارًا له، وهذه هي الفتنة التي ما بعدها فتنة يكفي للشهيد هذا الامتحان من سؤال الفتان.

والشهيد لا يصعق عندما يبعث من قبره يوم القيامة.

روى الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه سأل جبريل عن هذه الآية: {ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله} (الزمر: 68) ، من الذين لم يشأ الله أن يصعقهم؟ قال جبريل: هم شهداء الله) [8] .

السابعة: الشهيد يشفع في سبعين من أهل بيته، ويأمن من الفزع الأكبر ويغفر له بأول قطرةٍ من دمه.

روى أحمد والطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن للشهيد عند ربه سبع خصال: أن يغفر له في أول دفعة من دمه، ويرى مقعده من الجنة، ويحلى حلية الإيمان، ويجار من عذاب القبر، ويأمن من الفزع الأكبر، ويوضع على رأسه تاج الوقار، الياقوتة منه خير من الدنيا وما فيها، ويزوج ثنتين وسبعين من الحور العين، ويشفع في سبعين إنسانًا من أقاربه) [9] .

الثامنة: من استشهد في سبيل الله أفضل ممن انتصر وعاد سالمًا.

روى أحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: (قال رجل: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ قال: أن يعقر جوادك، ويهراق دمك) [10] .

التاسعة: الشهيد لا يجد من ألم القتل إلا كما يجد من ألم القرصة.

روى الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة) [11] .

العاشرة: يدخل الملائكة على الشهداء من كل باب يسلمون عليهم.

روى أحمد والحاكم وابن حبان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أول ثلة تدخل الجنة الفقراء المهاجرون الذين تتقى بهم المكاره، إذا أُمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت للرجل منهم حاجة إلى السلطان لم تقض له، حتى يموت وهي في صدره، وإن الله عز وجل ليدعو يوم القيامة الجنة، فتأتي بزخرفها وزينتها. فيقول: أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقُتلوا وأوذوا وجاهدوا في سبيلي؟ ادخلوا الجنة. فيدخلونها بغير حساب. وتأتي الملائكة فيسجدون فيقولون: ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدس لك. من هؤلاء الذين آثرتهم علينا؟ فيقول الرب عز وجل: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي. فتدخل عليهم الملائكة من كل باب: سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) [12] .

الحادية عشرة: يرضى الله عن الشهيد رضى لا سخط بعده:

وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (جاء أناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: ابعث معنا رجالًا يعلموننا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلًا من الأنصار يقال لهم القراء فيهم خالي حرام بن ملحان - يقرءون القرآن ويتدارسونه بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء. فبعثهم النبي صلى الله عليه وسلم فعرضوا لهم فقتلوهم قبل أن يبلغوا المكان. فقالوا: اللهم أبلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك ورضينا عنك ورضييت عنا! وأتى رجل حرامًا خال أنس فطعنه برمح حتى أنفذها. فقال حرام: فزت ورب الكعبة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن إخوانكم قد قتلوا وإنهم قالوا: اللهم بلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك ورضينا عنك ورضيت عنا) [13] .

الثانية عشرة: لا يشترط في الشهادة سبق أعمال الأبرار، بل هي بسابق الإرادة والاختيار.

روى البخاري ومسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مقنّع بالحديد فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل. فأسلم ثم قاتل فقتل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عمل قليلًا وأُجر كثيرًا) [14] .

الثالثة عشرة: الشهيد في سبيل الله لايفضله النبيون إلا بدرجة النبوة:

روى أحمد والبيهقي وابن حبان عن عتبة بن عبد السلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (القتلى ثلاثة: رجل مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتلهم حتى يُقتل، فذلك الشهيد الممتحن في جنة الله تحت عرشه لا يفضله النبيون إلا بفضل درجة النبوة. ورجل فرق على نفسه من الذنوب والخطايا، جاهد بنفسه وماله في سبيل الله، حتى إذا لقي العدو قاتل حتى يقتل فتلك مصمصة محت ذنوبه وخطاياه، إن السيف محاء للخطايا، وأدخل من أي أبواب الجنة شاء، فإن لها ثمانية أبواب وبعضها أفضل من بعض ولجهنم سبعة أبواب. ورجل منافق جاهد بنفسه وماله، حتى إذا لقي العدو وقاتل في سبيل الله حتى يقتل فذلك في النار، لأن السيف لا يمحو النفاق) [15] .

(1) رواه البخاري في الجهاد: 3/ 208 ومسلم في الإمارة: 3/ 1498 برقم: 1877

(2) أخرجه مسلم في الإمارة: 3/ 1503برقم: 1882

(3) رواه البخاري في التفسير: 6/ 22 ومسلم في الفرائض: 3/ 1237برقم: 1611

(4) أخرجه البخاري في الاستقراض: 3/ 82

(5) رواه البخاري في الجهاد: 3/ 208 ومسلم في فضائل الصحابة: 4/ 1917 بنحوه

(6) رواه البخاري في الجهاد: 3/ 202

(7) رواه مسلم في الإمارة: 3/ 1502 برقم: 1887

(8) رواه الحاكم في المستدرك: 2/ 253 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. والحديث حسن.

(9) مسند أحمد: 4/ 131 ومجمع الزوائد للهيثمي: 5/ 293وقال: رواه أحمد قال مثل ذلك. والبزار والطبراني إلاأنه قال: سبع خصا ل وهي كذلك. ورجال أحمد والطبراني ثقات. وإسناده صحيح.

(10) مسند أحمد: 3/ 300 وابن أبي شيبة: 5/ 290 ومجمع الزوائد: 5/ 291 والحديث حسن.

(11) رواه الترمذي في فضائل الجهاد: 4/ 190 والنسائي في الجهاد: 6/ 36 وابن ماجه 2/ 937 وموارد الظمآن ص: 388 وإسناده حسن.

(12) أحمد في المسند: 2/ 168 والمستدرك للحاكم: 2/ 72 وقال: هذا الحديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وموارد الظمآن ص: 636 ورجاله ثقات والحديث حسن.

(13) البخاري في المغازي: 5/ 42 بنحوه. ومسلم في الإمارة: 3/ 1511 برقم: 677 بلفظه

(14) البخاري في الجهاد: 3/ 206 ومسلم في الإمارة: 3/ 1509برقم: 1900

(15) رواه أحمد في المسند: 4/ 185 والبيهقي في السنن: 9/ 164. انظر موارد الظمآن ص: 388 ومجمع الزوائد: 5/ 291 والحديث حسن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت