النية الخالصة لله واجبة في الجهاد، لأن الله لا يقبل جهاد المجاهد إلا إذا كان خالصا له، وبما أن الأمر هكذا فلا بد من استحضار النية الصادقة لله، لأن المجاهد قد يقتل في المعركة، ولا مجال أمامه لا استدراك ما فات، إذا ما كان مخلصا في عمله لله.
وتتنوع نيات المجاهدين بسبب تنوع مقاصدهم:
الأول: من المجاهدين من يقصد بجهاده وجه الله، لأن الله يستحق هذه العبادة، فهو الذي أمر بها، وفرضها على عباده، وأحبها منهم وأثابهم عليها. فالمجاهد يسارع إلى الجهاد بهذه النية، ولهذا المعنى العظيم، ولا يلتفت إلى أجزائها وثوابها في الآخرة وهذا الصنف قليل، بل هو عزيز الوجود.
الثاني: من المجاهدين من يحمله على الجهاد الغيرة على الإسلام، والحرص على إعلاء وإعزاز كلمة الله، وإذلال كلمة الكفر وأهلها، وهاتان النيتان لا شك في صحتهما، ولا ريب في الفوز عند الله بهما. ومما يدل على أخلاص المجاهد فيهما: الاجتهاد في أخفاء عمله وجهاده.
الثالث: من المجاهدين من يقصد بجهاده الجنة وما فيها من ثواب ونعيم، والنجاة من الناروعذابها. وهذا هو حال أغلب المجاهدين، فهم يريدون الفوز بالجنة والنجاة من النار.
لقد رغب الله المجاهدين في الجنة ونعيمها. قال الله تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} (التوبة: 11) .
وأخبرهم أن الجهاد تجارة رابحة منجية من النار، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم} (الصف: 10 - 12) .
روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض. فقال عمير بن الحمام: يا رسول الله: جنة عرضها السموآت والارض؟ قال: نعم قال عمير: بخٍ بخٍ. قال صلى الله عليه وسلم: مايحملك على قولك بخٍ بخٍ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أ كون من أهلها! قال صلى الله عليه وسلم: فإنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة! فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل) [1] .
قال الإمام ابن دقيق العيد: (المجاهد لطلب ثواب الله والنعيم المقيم مجاهد في سبيل الله. ويشهد له فعل الصحابة. ٍوتشير الشريعة إلى أن الأعمال الصالحة لأجل الجنة أعمال صحيحة، لأن الله ذكر صفة الجنة وما أعد فيها للعاملين، ترغيباَ للناس في العمل الصالح، وكيف يرغبهم الله في العمل للجنة وثوابها ويكون هذا غير صحيح؟) [2] .
إن النيات الثلاث المذكورات كافيات في نيل المقصود، كفيلات بدار الخلود غير أن النية الثالثة كالقشر بالنسبة إلى الأولى والثانية.
الرابع: ومن المجاهدين من إذا دهمه القتال قاتل مقبلاَ غير مدبر، لانية له إلا الدفع عن نفسه.
وهذا قريب من أصحاب النية الثالثة، وليس مثلهم، وهذا المجاهد شهيد إن قتل في هذا الجهاد، لأن من دفع عن نفسه قطاع الطريق فقتلوه كان من الشهداء، فكيف لا يكون شهيداَ من قتل بسيوف الأعداء؟
وإذا فر المجاهد من المعركة حيث يحرم الفرار، فقتل مدبراَ، فإنه ليس شهيداَ، ولو جرت عليه أحكام الشهداء في الدنيا.
روى مسلم عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام في المسلمين خطيباَ، فذكر أن الجهاد في سبيل الله والإيمان به أفضل الأعمال. فقام رجل فقال: يا رسول الله: أرأيت إن قتلت في سبيل الله أتكفر ني خطاياي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، إن قتلت في سبيل الله، وأنت صابر محتسب مقبل، غير مدبر. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف قلت: قال صلى الله عليه وسلم: نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا الدين ... فإن جبريل قال لي ذلك!) [3] .
فدل هذا الحديث عن أن من قتل مدبرًا حيث لا يجوز له الفرار ليس بشهيد، بل قد باء بغضب الله وسخطه. وعلى هذا قوله تعالى: {ومن يولهم يومئذ ... } (الأنفال16) .
وقد ذكر الإمام النووي أن الشهداء ثلاثة أقسام: (شهيد في الدنيا والآخرة: وهو من قتل في سبيل الله. وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا، وهو المبطون والمطعون والغريق، ونحو ذلك. وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من غل من الغنيمة أو قتل مدبرًا) [4] .
الخامس: المجاهدين من يخرج إلى الجهاد ليكثر سواد المجاهدين، وليس له نية في أن يقتل الكفار، أو يقتل في سبيل الله. وهذا إذا قتل يكون شهيدًا، لأن من كثر سواد قوم ٍ فهو منهم.
السادس: ومن المجاهدين من تكون نيته من الجهاد وجه الله ونيل الغنيمة معًا. أي أنه شرك في النية، حيث أراد الدنيا وأراد وجه الله.
وقد اختلف العلماء في هذه النية وأشباهها؛ فذهب بعضهم إلى أن هذه النية فاسدة، وأن صاحبها غير مأجور. وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه النية صحيحة، وأن صاحبها مأجور مثاب عند الله. وهذا هو الصحيح، لأنه يتفق مع فعل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومما يدل على صحة هذه النية، ونيل الشهادة بها، أن الله كان يرغب المؤمنين المجاهدين بالغنيمة. قال تعالى: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم} (الفتح: 20) .
ورغم أنه يجوز أن ينوي المجاهد الجهاد والغنيمة معًا، إلا أن من كانت نيته هكذا لا يستوي مع من كانت نيته الجهاد خاصة، ولم يلتفت للغنيمة إطلاقًا، لأن نيل الغنيمة في الجهاد ينقص أجر المجاهد، وإن لم ينو ذلك، وهذا ما صرح به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
روى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من غزيةٍ أو سريةٍ تخفق وتخوف وتصاب، إلا تم أجرهم) [5] ، يقال: أخفق الغازي إذا غزا ولم يغنم ولم يظفر.
السابع: من المجاهدين من يجاهد ونيته تحصيل عرضٍ من أعراض الدنيا، من غير التفات إلى قصد نوعٍ من أنواع العبادة، ولا إلى تقرب إلى الله.
فهذا إذا قتل أثناء الغزو لا يكون شهيدًا في الحقيقة، وإن كان حكمه في الظاهر حكم الشهداء. ولا أجر له على غزوه لعدم صفاء نيته.
الثامن: من المجاهدين من يغزو رياءً وسمعةً وافتخارًا، ليقول عنه الناس: غاز أو شجاع، وهذا ما أراد بغزوه وجه الله، وإذا قتل لا يكون شهيدًا، ولا أجر له عند الله، وهو خليق في صفقته بالخسران، وجدير في آخرته بالمذلة والهوان. وهو أول من تسعر بهم النار يوم القيامة كما في حديث أبو هريرة السابق.
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (قال الله عز وجل: أنا أغني الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا لي، أشرك فيه غيري، فأنا منه برىء، وهو للذي أشرك ... ) [6] .
التاسع: من المجاهدين من يجاهد ويغزو ليقتل، فيستريح مما هو فيه من ضعف مؤلم، أو دين لازم، أو فقرٍ ملازم، أو شر يتوقعه، أو مصيبةٍ تنزل به. ولم يخطر بباله أثناء جهاده التقرب إلى الله، ولا إعلاء كلمته.
ويحتمل القول: هذا ليس شهيدًا عند الله، لأنه لم يتمحض عنده قصد التقرب إلى الله ولا إعلاء كلمته.
كما يحتمل القول: إنه شهيد، لأنه لم يسمح بنفسه إلا في وجه الجهاد دون غيره، ورغبته فيه دون غيره.
وهذا الاحتمال الثاني أقرب من الأول، ولكنه لا يلتحق بالمخلصين الصادقين، الذين تقربوا إلى الله بجهادهم.
(1) رواه مسلم: 3/ 1510
(2) انظر شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد: 4/ 248
(3) صحيح مسلم: 3/ 1501
(4) صحيح مسلم بشرح النووي: 13/ 63
(5) رواه مسلم في الإمارة: 3/ 1515 برقم: 1906
(6) رواه مسلم في الزهد والرقائق: 4/ 2289 برقم: 2985