قال الله تعالى: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بأذن الله والله مع الصابرين} (البقرة: 249) ، وقال تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه أبتغاء مرضات الله والله رءوف بالعباد} (البقرة: 207) ، ومعنى {يشرى} هنا: يبيع.
قال الحافظ ابن كثير الدمشقي في تفسيره: (وأما الأكثرون، فحملوا ذلك على أن الآية نزلت في كل مجاهد يبيع نفسه لله، ويجاهد في سبيله، وذلك لقوله تعالى: {إن الله أشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} (التوبة: 111) ، قال ابن العباس رضي الله عنهما: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} ؛ المجاهدون قد شروا أنفسهم من الله بالجهاد في ٍسبيله، والقيام بحقه، حتى هلكوا ولقوا الله. وكان الصحابة يحملون على الأعداء بائعين أنفسهم لله: حمل هشام بن عامر الأنصاري رضي الله عنه بين الصفين وأنكر عليه بعض الناس، فرد عليهم عمر بن الخطاب وأبو هريرة رضي الله عنهما، وغيرهما، وتلوا هذه الآية: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} ) [1] .
خرج ابن أبى شيبه في المصنف قال: (جاءت كتيبه من كتائب الكفار من قبل المشرق، فلقيهم رجل من الأنصار، فحمل عليهم، فخرق الصف، حتى خرج، ثم كر راجعاَ، صنع ذلك مرتين أو ثلاثًا. فذكر سعد بن هشام الأنصاري ذلك لأبي هريرة رضي الله عنة، فتلا أبو هريرة قوله تعالى: {ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله} ) [2] .
وروى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنة قال: (غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله: غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن أشهدني الله قتال المشركين، ليرين الله ما أصنع. فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، قال: اللهم إني اعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين - ثم تقدم للمعركة، فاستقبله سعد بن معاذ، فقال: يا سعد بن معاذ! الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها دون أحد. قال سعد: فما استطعت يا رسول الله أن أعرف ما صنع. قال أنس: فوجدنا به بضعاَ وثمانين ضربه بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون. فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. وكنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه، وفي أشباهه من المؤمنين: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} (الأحزاب: 23 ) ) [3] .
وروى أحمد وابن أبي شيبة عن أبن مسعودٍ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عجب ربنا من رجلين: رجل ثار على وطأته ولحافه من بين أهله وحبه إلى صلاته فيقول الله عز وجل: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطأته بين حبه وأهله إلى صلاته، رغبة فيما عندي، وشفقة لما عندي. ورجل غزا في سبيل الله، فانهزم أصحابه، وعلم ما عليه في الانهزام، وماله في الرجوع، فرجع حتى أريق دمه، فيقول الله: انظروا إلى عبدي رجع رجاء فيما عندي، وشفقة مما عندي، حتى يريق دمه) [4] .
ولو لم يكن إلا هذا الحديث الصحيح لكفلنا في الاستدلال على فضل الانغماس في العدو.
وروى البخاري عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (بعث الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أبي رافع اليهودي عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتبة، في ناس من الصحابة، فأنطلقوا حتى دنو من الحصن. فقال لهم عبد الله بن عتيك: امكثوا حتى أنطلق أنا فأنظر. قال ابن عتيك: فتلطفت أن أدخل الحصن، ففقدوا حماراَ لهم، فخرجوا بقبس يطلبونه، فخشيت أن أُعرف، فغطيت رأسي، كأني أقضي حاجة ... ثم نادى صاحب الباب: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه. فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن ... فتعشوا عند أبي رافع، وتحدثوا حتى ذهبت ساعة من الليل، ثم رجعوا إلى بيوتهم، حتى إذا هدأت الأصوات، ولم أعد أسمع حركة، خرجت. ورأيت صاحب الباب عندما وضع مفتاح الحصن في كوة عند الباب، فأخذت المفتاح، ثم فتحت باب الحصن ... وعدت إلى بيوتهم فغلقت أبوابها من الخارج. ثم صعدت إلى أبي رافع في سلم، فإذا البيت مظلم قد طفى سراجه، فلم أدر أين الرجل. فقلت: يا أبا رافع؟ قال: من هذا؟ فعمدت نحو الصوت وضربته، فلم تغن عني شيئاَ! ثم جئت كأني أغيثه. فغيرت صوتي وقلت: مالك يا أبا رافع؟ قال: ألا يعجبك لأمك الويل! دخل علي رجل، فضربني بالسيف! فعمدت له أيضاَ، فضربته ضربة أخرى! فلم تغن شيئاَ فصاح، وقام أهلة. ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث، وإذا هو مستلق على ظهره، فوضعت السيف في بطنه، ثم انكفأت عليه حتى سمعت صوت العظم! ثم خرجت دهشاَ، حتى أتيت السلم، أريد أن أنزل، فسقطت منة، فانخلعت رجلي، فعصبتها، ثم أتيت أصحابي أحجل! وقلت لأصحابي: إني لا أبرح حتى أسمع الناعية ... ولما كان وجه الصبح صعد الناعية فقال: أنعي أبا رافع! فأدركت أصحابي. وانطلقنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرته بمقتل أبي رافع، وأريته رجلي المكسورة. فقال صلى الله عليه وسلم: ابسط رجلك فبسطتها. فمسحها، فكأني لم أشتكها قط) ! [5] .
وأخرج الطبري أيضاَ: (أن علي بن أسد كان مسرفًا على نفسه في المعاصي وكان قد قتل وصنع أمورًا عظيمة. فمر ليلة في الكوفة، فإذا برجل يقرأ في جوف الليل قوله تعالى: {يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} (الزمر: 53) ، قال علي للقارئ: أعد الآية. فأعادها. ثم قال: اعد فأعاد. ثم قال: أعد. فاغتسل، ثم غسل ثيابه فتعبد حتى عمشت عيناه من البكاء وصارت ركبتاه كركبتي البعير. فغزا البحر فلقي الروم فقرنوا مراكبهم بمراكب العدو. فاقتحم علي بن أبي أسد بنفسه في سفائن الروم فما زال يضربهم وينحازوا، ويضربهم وينحازوا، ومالوا في شق واحد في السفينة، فانكفأت السفينة عليهم، فغرق وعليه درع من حديد).
وأخرج ابن المبارك: (أن عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه ترجل يوم اليرموك، فقال له خالد بن الوليد رضي الله عنه: لا تفعل ذلك فأن قتلك على المسلمين شديد. فقال له عكرمة: خل عني يا خالد. فإنه قد كان لك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخير، أما أنا فقد كنت مع أبي من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم [6] ، فمشى عكرمة في المعركة حتى استشهد. هذه حوادث ووقائع أقدم فيها المجاهدون على الجهاد، وواجهوا الأعداء الكثيرين، وتجلى فيها انغماس الرجل الشجاع في العدو، وانغماس الجماعة القليلة المؤمنة في الجماعة الكثيرة المعادية، رغبة في الشهادة.
(1) تفسير القرآن العظيم لابن كثير: 1/ 247
(2) مصنف ابن أبي شيبة: 5/ 322 وإسناده صحيح.
(3) فتح الباري برقم: 2805 ومسلم برقم: 1903
(4) مسند أحمد: 6/ 22وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح. ومصنف ابن أبي شيبة 5/ 313
(5) فتح الباري برقم: 4040
(6) كتاب الجهاد لأبن المبارك 1/ 88 والسنن الكبرى للبيهقي 9/ 44