فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 71

اعلم أن الجهاد إذا كان فرض كفاية على المسلم، ثم حضر الصف واشترك في المعركة صار الجهاد عليه فرض عين. وإنما يحرم الفرار إذا لم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين، ويجوز الفرار إذا كان المسلم متحرفًا لقتال.

والتحرف للقتال: كمن ينصرف عن الصف ليمكن في موضع ويهجم على الكفار، أو يكون في مضيق فينصرف، ليتبعه العدو إلى متسع يسهل القتال فيه، أو يتحول من مقابلة الشمس والريح، أو غير ذلك.

كذلك يجوز الفرار، إذا كان متحيزًا إلى فئة يستنجد بها، سواء كانت تلك الفئة قليلة أو كثيرة، قريبة أو بعيدة. ومن عجز عن الاستمرار في القتال أو لم يبق معه السلاح، فله الخروج من الصف، إن لم يمكنه الرمي بالحجارة. فإن أمكنه الرمي بالحجارة عدم عليه الخروج.

ويسن لمن وقع له شيء من الأعذار وأراد أن يولي ظهره، أن يولي ظهره متحرفًا أو متحيزًا، كما قالت الآية.

ولو مات فرسه، وهو لا يقدر على القتال راجلًا، فله الخروج من الميدان، ولو غلب على ظنه أنه إن ثبت قتل، لم يجز له الخروج.

ونقل النووي عن أبي القاسم الرافعي قوله: (إذا جاز الفرار لزيادة الكفار على الضعف نظر. فإن غلب على ظنهم أنهم لو ثبتوا ظفروا استحق لهم الثبات، وإن غلب على ظنهم الهلاك لو ثبتوا، جازلهم الفرار، والأولى أن لا يفروا، بل عليهم دخول المعركة، ولو أدى إلى قتلهم) .

وقال الإمام النووي: (وأصح الوجهين أنه لا يجب الفرار في هذه الحالة، ولكن يستحب) [1] !

والراجح أن الذي يثبت في مكانٍ لا يؤثر فيه على العدو، وليس فيه إلا الهلاك المحض، فهذا فيه الإثم، وصاحبه ألقى بيده إلى التهلكة. وذلك كالأعمى يثبت في مواجهة العدو بغير سلاح، فيقتله العدو.

قال تعالى: {يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلوا ألفًا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون * الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين} (الأنفال: 65 - 66) .

وقد وقف ثلاثة الآلف من المسلمين في مؤتة أمام حوالي ثلاثمائة ألف من الروم ومن معهم. ووقف طارق بن زياد في فتح الأندلس ومعه ألف وسبعمائة من المسلمين أمام تسعين ألفًا من الأسبان!

(1) روضة الطالبين للنووي: 10/ 249

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت