نحن دعاة تسامح؛ لأن ديننا نفسه يأمرنا به، ويدعونا إليه، ويربينا عليه. ولكن ليس معنى التسامح أن نتنازل عن ديننا، إرضاءً لأحد كائنًا من كان .. فهذا ليس من التسامح في شيء. إنما هو إعراض عن الدين أو كفر به، إيثارًا للمخلوق على الخالق، وللهوى على الحق. ونحن لا نلزم غيرنا بترك دينه، حتى يطالبنا بترك ديننا.
ليس من التسامح أن يطلب من المسلم (تجميد) أحكام دينه، وشريعة ربه، وتعطيل حدوده، وإهدار منهجه للحياة، من أجل الأقليات غير المسلمة، حتى لا تقلق خواطرها، ولا تتأذى مشاعرها.
ولا أدري ما الذي يقلق المسيحي أو اليهودي من قطع يد السارق، مسلمًا كان أو غير مسلم، ومن جلد القاذف أو الزاني أو السكير، ومن غير ذلك من الأحكام والحدود؟
إن المسلم يتلقى هذه الأحكام على أنها (دين) يتعبد به، ويتقرب إلى الله تعالى بتنفيذه، وغير المسلم يأخذها على أنها (قانون دولة) ارتضته أغلبيتها.
ليس من التسامح في شيء أن تقوم العلاقات ـ بين المسلمين والمسيحيين مثلاً ـ على النفاق الزائف المكشوف، الذي يعلي الرابطة الوطنية أو القومية على الرابطة الدينية، مع مخالفة هذا الفكرة مخالفة صريحة لما في الإسلام والمسيحية معًا.
إنما ينبغي أن يقوم التسامح على ما أمر به الدينان من حسن الجوار، وحب الخير للجميع، ووجوب العدل مع الجميع.
والقول الذي يردده دعاة الوطنية العلمانية: (الدين لله، والوطن للجميع) قول لا معنى له، ويمكن أن نقلب هذه العبارة على كل الوجوه، فنقول: الدين لله، والوطن لله، أو الدين للجميع والوطن للجميع، أو الدين للجميع والوطن لله.
فلندع هذه العبارات الرجراجة، التي لا تعطي مفهومًا محددًا، ولا تحل إشكالاً، أو تقيم حجة.
ليس من التسامح في شيء أن نذيب الفوارق الأساسية بين الأديان، فيتساوى التوحيد والتثليث، والمنسوخ والناسخ، فمثل هذه الأفكار تأتى بعكس ما يراد منها، ولهذا تبعِّد ولا تقرِّب، وتفرِّق ولا تجمِّع، وتهدم ولا تبني.
إن كل دين له مقوماته الجوهرية، وخصائصه الذاتية، فلا يجوز إغفال هذه المقومات والخصائص من أجل مجاملات سطحية، أو كسب معارك وهمية.
فليكن هذا واضحًا للمسلمين ولغير المسلمين جميعًا.
والله يقول الحق وهو يهدى السبيل. انتهى انتهى {غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، للدكتور/ يوسف القرضاوي} ...