وهذا موضع الحكاية المشهورة عن الشيخ العارف أبي جعفر الهمداني [ هو أبو الفضل جعفر بن علي بن هبة الله بن أبي الفتح الهمداني، والمالكي، ولد سنة 546هـ، وأقام بالقاهرة مدة ثم توجه إلى دمشق، وروى الكثير، وكان ثقة صالحًا من أهل القرآن، قيل: إنه توفى سنة 636هـ بدمشق ] لأبي المعالي الجويني، لما أخذ يقول على المنبر: كان الله ولا عرش، فقال: يا أستاذ، دعنا من ذكر العرش يعني: لأن ذلك إنما جاء في السمع أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: [ يا الله ] إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، لا تلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا ؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني، ونزل .
وذلك لأن نفس استوائه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام علم بالسمع، الذي جاءت به الرسل، كما أخبر الله به في القرآن والتوراة .
وأما كونه عاليًا على مخلوقاته بائنا منهم، فهذا أمر معلوم بالفطرة الضرورية، التي يشترك فيها جميع بني آدم .
وكل من كان بالله أعرف، وله أعبد، ودعاؤه له أكثر، وقلبه له أذكر، كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل، فالفطرة مكملة بالفطرة المنزلة، فإن الفطرة تعلم الأمر مجملًا، والشريعة تفصله وتبينه، وتشهد بما لا تستقل الفطرة به، فهذا هذا .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - المجلد الرابع (العقيدة)