فقالا: كيف يمكن ذلك، ونحن من أول النهار إلى الساعة نتناظر، فلم يقدر أحدنا أن يقيم على الآخر دليلًا ؟ وأظن الحكاية في تثبيت الإسلام فقال: ما أدري ما تقولان، ولكن أنا أعلم علم اليقين . فقالا: صف لنا علم اليقين، فقال: علم اليقين عندنا واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها فجعلا يقولان: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها ؟ ! ويستحسنان هذا الجواب .
وذلك؛ لأن طريق أهل الكلام تقسيم العلوم إلى ضروري وكسبي، أو بديهي ونظري .
فالنظري الكسبي: لابد أن يرد إلى مقدمات ضرورية أو بديهية، فتلك لا تحتاج إلى دليل، وإلا لزم الدور أو التسلسل .
والعلم الضروري: هو الذي يلزم نفس المخلوق لزومًا لا يمكنه الانفكاك عنه، فالمرجع في كونه ضروريًا إلى أنه يعجز عن دفعه عن نفسه .
فأخبر الشيخ أن علومهم ضرورية، وأنها ترد على النفوس على وجه تعجز عن دفعه، فقالا له: ما الطريق إلى ذلك ؟ فقال: تتركان ما أنتما فيه، وتسلكان ما أمركما الله به من الذكر والعبادة .
فقال الرازي: أنا مشغول عن هذا .
وقال المعتزلي: أنا قد احترق قلبي بالشبهات، وأحب هذه الواردات، فلزم الشيخ مدة، ثم خرج من محل عبادته، وهو يقول: والله يا سيدي، ما الحق إلا فيما يقوله هؤلاء المشبهة يعني: المثبتين للصفات، فإن المعتزلة يسمون الصفاتية مشبهة وذلك أنه علم علمًا ضروريًا لا يمكنه دفعه عن قلبه أن رب العالم لابد أن يتميز عن العالم، وأن يكون بائنًا منه، له صفات تختص به، وأن هذا الرب الذي تصفه الجهمية إنما هو عدم محض .