فإن معنى لفظ التأويل في كتاب الله غير معنى لفظ التأويل في اصطلاح المتأخرين، من أهل الأصول والفقه، وغير معنى لفظ التأويل في اصطلاح كثير من أهل التفسير والسلف؛ لأن من المعاني التي قد تسمى تأويلًا ما هو صحيح، منقول عن بعض السلف، فلم أنف ما تقوم الحجة على صحته، فإذا ما قامت الحجة على صحته وهو منقول عن السلف، فليس من التحريف .
وقلت له أيضًا: ذكرت في النفي التمثيل، ولم أذكر التشبيه؛ لأن التمثيل نفاه الله بنص كتابه حيث قال: { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } [ الشورى: 11 ] ، وقال: { هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا } [ مريم: 65 ] ، وكان أحب إلى من لفظ ليس في كتاب الله، ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان قد يعنى بنفيه معنى صحيح، كما قد يعنى به معنى فاسد .
ولما ذكرت أنهم لا ينفون عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله وآياته، جعل بعض الحاضرين يمتعض من ذلك؛ لاستشعاره ما في ذلك من الرد الظاهر عليه، ولكن لم يتوجه له ما يقوله، وأراد أن يدور بالأسئلة التي أعلمها، فلم يتمكن لعلمه بالجواب .
ولما ذكرت آية الكرسي أظنه سأل الأمير عن قولنا: لا يقربه شيطان حتى يصبح فذكرت حديث أبي هريرة في الذي كان يسرق صدقة الفطر، وذكرت أن البخاري رواه في صحيحة، وأخذوا يذكرون نفي التشبيه والتجسيم، ويطنبون في هذا، ويعرضون لما ينسبه بعض الناس إلينا من ذلك .
فقلت: قولي: من غير تكييف ولا تمثيل ينفي كل باطل، وإنما اخترت هذين الاسمين؛ لأن التكييف مأثور نفيه عن السلف كما قال ربيعة، ومالك، وابن عيينة وغيرهم المقالة التي تلقاها العلماء بالقبول: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة .
فاتفق هؤلاء السلف على أن التكييف غير معلوم لنا،فنفيت ذلك إتباعا لسلف الأمة .
وهو أيضًا منفي بالنص، فإن تأويل آيات الصفات يدخل فيها حقيقة الموصوف، وحقيقة صفاته .