فأشار الأمير بألا أقرأها أنا لرفع الريبة، وأعطاها لكاتبه الشيخ كمال الدين، فقرأها على الحاضرين حرفًا حرفًا، والجماعة الحاضرون يسمعونها، ويورد المورد منهم ما شاء ويعارض فيما شاء .
والأمير أيضًا: يسأل عن مواضع فيها، وقد علم الناس ما كان في نفوس طائفة من الحاضرين، من الخلاف والهوى، ما قد علم الناس بعضه ، وبعضه بسبب الاعتقاد، وبعضه بغير ذلك .
ولا يمكن ذكر ما جرى من الكلام والمناظرات في هذه المجالس؛ فإنه كثير لا ينضبط، لكن أكتب ملخص ما حضرني في ذلك، مع بعد العهد بذلك، ومع أنه كان يجرى رفع أصوات ولغط لا ينضبط .
فكان مما اعترض عليَّ بعضهم لما ذكر في أولها، ومن الإيمان بالله: الإيمان بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل فقال: ما المراد بالتحريف والتعطيل ؟ ومقصوده أن هذا ينفي التأويل، الذي أثبته أهل التأويل، الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، إما وجوبًا، وإما جوازًا .
فقلت: تحريف الكلم عن مواضعه كما ذمه الله تعالى في كتابه، وهو إزالة اللفظ عما دل عليه من المعنى،مثل تأويل بعض الجهمية لقوله تعالى: { وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } [ النساء: 164 ] .
أي جَرَّحَهُ بأظافير الحكمة تجريحًا .
ومثل تأويلات القرامطة والباطنية وغيرهم من الجهمية والرافضة والقدرية، وغيرهم فسكت وفي نفسه ما فيها .
وذكرت في غير هذا المجلس أنى عدلت عن لفظ التأويل إلى لفظ التحريف؛ لأن التحريف اسم جاء القرآن بذمه، وأنا تحريت في هذه العقيدة اتباع الكتاب والسنة، فنفيت ما ذمه الله من التحريف، ولم أذكر فيها لفظ التأويل بنفي ولا إثبات؛ لأنه لفظ له عدة معان، كما بينته في موضعه من القواعد .