وهذه الأحاديث وغيرها، في الصِّحاح، وقد تلقَّاها السَّلف والأئمَّة بالقبول، واتَّفق عليْها أهل السنَّة والجماعة، وإنَّما يكذِّب بها، أو يحرِّفها الجهميَّة، ومَن تبعهم من المعتزلة، والرَّافضة، ونحوهم، الذين يكذبون بصفات الله - تعالى - وبرؤْيته، وغير ذلك، وهم المعطِّلة، شرار الخلق والخليقة.
ودينُ الله وسطٌ بين تكْذيب هؤلاء بما أخبر به رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في الآخِرة، وبين تصديق الغالية بأنَّه يُرى بالعيون في الدنيا، وكلاهما باطل.
هذا؛ وقد نسب بعض الحاقدين على شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى: أنَّ النَّبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - رأى ربَّه بعينِيه في اليقظة، في صورة شابٍّ أمرد، وهذا باطل لم يقُله؛ بل قال عكسه - كما تقدم - وضعَّف جَميع ما روي في رؤية النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - ربه - تعالى - بعينه، في كتابه"بيان تلبيس الجهميَّة"، وبسطه في الفتاوى، ونقل اتفاق السَّلف الصَّالح على عدم وقوعه.
قال في"مجموع الفتاوى" (3/ 388 - 390) :"... وكذلك ما رَوى بعضُهم:"أنَّ النَّبيَّ لمَّا نزل من حراء، تبدَّى له ربُّه على كرسيّ بين السَّماء والأرض"- غلطٌ باتّفاق أهل العلم؛ بل الَّذي في الصِّحاح: أنَّ الَّذي تبدَّى له، الملَك الَّذي جاءه بحراء في أوَّل مرَّة، وقال له: اقرأ، فقال: «لستُ بقارئ» الحديثَ؛ متفق عليه، فهذا أوَّل ما نزل على النَّبيِّ."
ثمَّ جعل النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - يحدِّث عن فترة الوحي، قال: «فبيْنا أنا أمشي؛ إذ سمعتُ صوتًا، فرفعتُ رأسي، فإذا الملَك الذي جاءني بحراء، جالسٌ على كرسيّ بين السَّماء والأرض» ؛ رواه جابر - رضي الله عنْه - في الصَّحيحين.
فأخبر أنَّ الملَك الَّذي جاءه بحراء، رآه بين السَّماء والأرض، وذكر أنَّه رُعب منه، فوقع في بعض الرِّوايات: «الملَك» ، فظن القارئ أنَّه: الملِك، وأنَّه الله، وهذا غلط وباطل.