فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 967

وكل هذه النصوص حجة عليهم، فإذا فصل تبين ذلك، فالداعي والساجد يوجه روحه إلى اللّه، والروح لها عروج يناسبها، فتقرب من اللّه تعالى بلا ريب بحسب تخلصها من الشوائب، فيكون اللّه عز وجل منها قريبًا قربًا يلزم من قربها، ويكون منه قرب آخر كقربه عشية عرفة، وفي جوف الليل، وإلى من تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا .

وفي الزهد لأحمد عن عمران القصير؛ أن موسى عليه السلام قال"يا رب، أين أبغيك ؟ قال: ابغني عند المنكسرة قلوبهم، إني أدنو منهم كل يوم باعًا، لولا ذلك لانهدموا"، فقد يشبه هذا قوله"قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين"إلى آخره .

وظاهر قوله: { فّإنٌَي قّّرٌيبِ } [ البقرة: 186 ] يدل على أن القرب نعته، ليس هو مجرد ما يلزم من قرب الداعي والساجد ودنوه عشية عرفة، هو لما يفعله الحاج ليلتئذ من الدعاء، والذكر، والتوبة، وإلا فلو قدر أن أحدًا لم يقف بعرفة لم يحصل منه سبحانه ذلك الدنو إليهم؛ فإنه يباهي الملائكة بأهل عرفة، فإذا قدر أنه ليس هناك أحد لم يحصل؛ فدل ذلك على قربه منهم بسبب تقربهم، كما دل عليه الحديث الآخر .

والناس في آخر الليل يكون في قلوبهم من التوجه والتقرب والرقة ما لا يوجد في غير ذلك الوقت، وهذا مناسب لنزوله إلى السماء الدنيا، وقوله"هل من داع ؟ هل من سائل ؟ هل من تائب ؟".

ثم إن هذا النزول هل هو كدنوه عشية عرفة معلق بأفعال ؟ فإن في بلاد الكفر ليس فيهم من يقوم الليل فلا يحصل لهم هذا النزول، كما أن دنوه عشية عرفة لا يحصل لغير الحجاج في سائر البلاد؛ إذ ليس لها وقوف مشروع، ولا مباهاة الملائكة، وكما أن تفتيح أبواب الجنة، وتغليق أبواب النار، وتصفيد الشياطين إذا دخل شهر رمضان إنما هو للمسلمين الذين يصومونه لا الكفار الذين لا يرون له حرمة .

وكذلك إطلاعه يوم بدر وقوله لهم: { اعْمَلُوا مَا شئْتُمْ } كان مختصًا بأولئك أم هو عام ؟ فيه كلام ليس هذا موضعه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت