ثم ذكر شيخ الإسلام رحمه الله طائفة من سيرة الحسن وعدله إلى أن قال: ثم إنه مات وصار إلى كرامة الله ورضوانه , وقامت طوائف كاتبوا الحسين ووعدوه بالنصر والمعاونة إذا قام بالأمر , ولم يكونوا من أهل ذلك , بل لما أرسل إليهم ابن عمه أخلفوا وعده , ونقضوا عهده , وأعانوا عليه من وعدوه أن يدفعوه عنه , ويقاتلوه معه . وكان أهل الرأي والمحبة للحسين كابن عباسٍ وابن عمر وغيرهما أشاروا عليه بأن لا يذهب إليهم , ولا يقبل منهم , ورأوا أن خروجه إليهم ليس بمصلحةٍ , ولا يترتب عليه ما يسر , وكان الأمر كما قالوا , وكان أمر الله قدرًا مقدورًا . فلما خرج الحسين - رضي الله عنه - ورأى أن الأمور قد تغيرت , طلب منهم أن يدعوه يرجع , أو يلحق ببعض الثغور , أو يلحق بابن عمه يزيد , فمنعوه هذا وهذا . حتى يستأسر , وقاتلوه فقاتلهم فقتلوه . وطائفة ممن معه , مظلومًا شهيدًا شهادةً أكرمه الله بها وألحقه بأهل بيته الطيبين الطاهرين . وأهان بها من ظلمه واعتدى عليه , وأوجب ذلك شرا بين الناس . فصارت طائفة جاهلة ظالمة: إما ملحدة منافقة , وإما ضالة غاوية , تظهر موالاته , وموالاة أهل بيته تتخذ يوم عاشوراء يوم مأتمٍ وحزنٍ ونياحةٍ , وتظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود , وشق الجيوب , والتعزي بعزاء الجاهلية . والذي أمر الله به ورسوله في المصيبة - إذا كانت جديدةً - إنما هو الصبر والاحتساب والاسترجاع . كما قال تعالى: {وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ليس منا من لطم الخدود , وشق الجيوب , ودعا بدعوى الجاهلية". وقال:"أنا بريء من الصالقة , والحالقة , والشاقة". وقال:"النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطرانٍ ودرع من جربٍ".