ولْيَعلمْ السائلُ الكريم: أن كل ما ذكرناه من وسائل وضوابط لهجر المبتدع - يدور مع المصلحة وجودًا وعدمًا، فإذا كانت المصلحة في هجره، وظُنَّ أن ذلك سيرجعهم عن بدعتهم وضلالتهم، فالهجر هو الأفضل، أما إذا كان الهجر يزيدهم تمسّكًا بباطلهم، ويزيدهم نفرة من أهل الحق، كان تركُه أصلحَ؛ كما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - هجرَ عبد الله بن أُبَيِّ بن سلول، رأسِ المنافقين؛ لما كان ترك هجره أصلحَ للمسلمين، وأما إذا كان المبتدع من العوام، لا يستطيع أن يدعو إلى بدعته، فالأولى التلطُّف به، وعدم هجره؛ لأنه يجهل البدعة التي اعتنقها في الغالب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُسْتَتِرًا بِمَعْصِيَةٍ، أَوْ مُسِرًّا لِبِدْعَةٍ غَيْرِ مُكَفِّرَةٍ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُهْجَرُ، وَإِنَّمَا يُهْجَرُ الدَّاعِي إلَى الْبِدْعَةِ؛ إذْ الْهَجْرُ نَوْعٌ مِنْ الْعُقُوبَةِ، وَإِنَّمَا يُعَاقَبُ مَنْ أَظْهَرَ الْمَعْصِيَةَ قَوْلًا أَوْ عَمَلًا، وَأَمَّا مَنْ أَظْهَرَ لَنَا خَيْرًا، فَإِنَّا نَقْبَلُ عَلَانِيَتَهُ، وَنَكِلُ سَرِيرَتَهُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى -."
قال الغزالي في"الإحياء":"المبتدع العامي -الذي لا يقدر على الدعوة، ولا يُخَافُ الاقتداء به- فأمره أهون، فالأولى ألا يُقَابَحَ بالتغليظ والإهانة، بل يُتَلَطَّفُ به في النصح، فإن قلوب العوام سريعة التقلب". ا.هـ.