يوضح ذلك: أن كثيرًا من أصحاب أبي محمد من أتباع أبي الحسن الأشعري يصرحون بمخالفة السلف في مثل مسألة الإيمان، ومسألة تأويل الآيات والأحاديث يقولون: مذهب السلف: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وأما المتكلمون من أصحابنا، فمذهبهم كيت وكيت، وكذلك يقولون: مذهب السلف: أن هذه الآيات والأحاديث الواردة في الصفات لاتتأول، والمتكلمون يريدون تأويلها إما وجوبًا وإما جوازًا ويذكرون الخلاف بين السلف وبين أصحابهم المتكلمين، هذا منطوق ألسنتهم ومسطور كتبهم .
أفلا عاقل يعتبر، ومغرور يزدجر، أن السلف ثبت عنهم ذلك حتى بتصريح المخالف، ثم يحدث مقالة تخرج عنهم ؟ أليس هذا صريحًا أن السلف كانوا ضالين عن التوحيد والتنزيه، وعلمه المتأخرون ؟ ! وهذا فاسد بضرورة العلم الصحيح والدين المتين .
وأيضًا، فقد ينصر المتكلمون أقوال السلف تارة وأقوال المتكلمين تارة، كما يفعله غير واحد مثل أبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، والرازي وغيرهم، ولازم المذهب الذي ينصرونه تارة أنه هو المعتمد، فلا يثبتون على دين واحد، وتغلب عليهم الشكوك وهذا عادة الله فيمن أعرض عن الكتاب والسنة .
وتارة يجعلون إخوانهم المتأخرين أحذق [ أمهر وأعلم ] وأعلم من السلف، ويقولون: طريقة السلف أسلم، وطريقة هؤلاء أعلم وأحكم، فيصفون إخوانهم بالفضيلة في العلم والبيان، والتحقيق والعرفان، والسلف بالنقص في ذلك والتقصير فيه، أو الخطأ والجهل، وغايتهم عندهم: أن يقيموا أعذارهم في التقصير والتفريط .
ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض، فإنه وإن لم يكن تكفيرًا للسلف كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج ولا تفسيقًا لهم كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم كان تجهيلًا لهم وتخطئة وتضليلًا، ونسبة لهم إلى الذنوب والمعاصي، وإن لم يكن فسقًا فزَعْمًا: أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة .