فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 967

أحدهما: أن الأمر بقتال الطائفة الباغية مشروط بالقدرة والإمكان؛ إذ ليس قتالهم بأولى من قتال المشركين والكفار، ومعلوم أن ذلك مشروط بالقدرة والإمكان، فقد تكون المصلحة المشروعة أحيانًا هي التألف بالمال، والمسالمة والمعاهدة، كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم غير مرة، والإمام إذا اعتقد وجود القدرة، ولم تكن حاصلة كان الترك في نفس الأمر أصلح .

ومن رأى أن هذا القتال مفسدته أكثر من مصلحته، علم أنه قتال فتنة، فلا تجب طاعة الإمام فيه؛ إذ طاعته إنما تجب فيما لم يعلم المأمور أنه معصية بالنص، فمن علم أن هذا هو قتال الفتنة الذي تركه خير من فعله لم يجب عليه أن يعدل عن نص معين خاص إلى نص عام مطلق في طاعة أولى الأمر، ولا سيما وقد أمر اللّه تعالى عند التنازع بالرد إلى اللّه والرسول .

ويشهد لذلك أن الرسول أخبر بظلم الأمراء بعده وبغيهم، ونهى عن قتالهم؛ لأن ذلك غير مقدور إذ مفسدته أعظم من مصلحته، كما نهى المسلمون في أول الإسلام عن القتال، كما ذكره بقوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ} [ النساء: 77 ] ، وكما كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مأمورين بالصبر على أذى المشركين والمنافقين والعفو والصفح عنهم حتى يأتي اللّه بأمره .

الوجه الثاني: أنها صارت باغية في أثناء الحال بما ظهر منها من نصب إمام وتسميته أمير المؤمنين، ومن لعن إمام الحق، ونحو ذلك .

فإن هذا بغي، بخلاف الاقتتال قبل ذلك، فإنه كان قتال فتنة، وهو سبحانه قد ذكر اقتتال الطائفتين من المؤمنين ثم قال: { فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} [ الحجرات: 9 ] ، فلما أمر بالقتال إذا بغت إحدى الطائفتين المقتتلتين، دل على أن الطائفتين المقتتلتين قد تكون إحداهما باغية في حال دون حال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت