وكذلك احتجاج الفلاسفة القائلين بقدم العالم على قدم الفاعلية، إنما يدل على مذهب السلف أيضًا، فهؤلاء الذين احتجوا على قدم مفعوله المعين وهو الفلك والذين احتجوا على قدم كلامه المعين، كل ما احتجوا به من دليل صحيح فإنه لا يدل على مطلوبهم، بل إنما يدل على مذهب السلف المتبعين للرسول، فتبين أن الأدلة العقلية الصحيحة من جميع الطوائف إنما تدل على تصديق الرسول، وتحقيق ما أخبر به، لا على خلاف قوله، وهي من آيات الله الدالة على تصديق الأنبياء التي قال الله فيها: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [ فصلت: 53 ] ، وهي من الميزان الذي أنزله الله تعالى .
وكذلك أدلة المعتزلة والكرَّامية وغيرهما، كما سنذكره إن شاء الله؛ إذ المقصود هنا الكلام على ما تعتمد عليه أئمة النظار من الأشعرية ونحوهم، والفلاسفة ونحوهم، وهاتان الطائفتان كل طائفة تقابل الأخرى بالمشرق والمغرب، وكثير من الناس مع هؤلاء تارة ومع الأخرى تارة، كالغزالي، والرازي، والآمدي ونحوهم .
والمقصود هنا بيان دلالة الأدلة العقلية على مذهب السلف، الذي جاء به الكتاب والسنة، فنقول:
أما الحجة الأولى: وهي قولهم: لو لم يكن متكلمًا في الأزل لكان متصفًا بضده إما السكوت، وإما الخرس؛ لأنه حي، والحي إذا لم يكن متكلمًا كان ساكتًا أو أخرس، كما أنه إذا لم يكن سميعًا كان أصم، وإذا لم يكن بصيرًا كان أعمى، ولأن ذاته قابلة للكلام والقابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، هكذا يحتجون له .
وقد نوزعوا في ذلك، وخالفهم العقلاء، حتى أصحابهم المتأخرون؛ مثل الرازي، والآمدي، فإن أولئك ادعوا أن الجسم لما كان قابلًا للأعراض لم يخل من كل نوع من أنواع الأعراض من بعضها، وقالوا: إن الهواء له طعم ولون وريح فخالفهم الجمهور .