فهرس الكتاب
لكن تقرير الحجة بأن يقال: لأن الرب تعالى إذا كان قابلًا للاتصاف بشيء لم يخل منه، أو من ضده .
أو يقال: بأنه إذا كان قابلًا للاتصاف بصفة كمال، لزم وجودها له؛ لأن ما كان الرب قابلًا له لم يتوقف وجوده له على غيره، فإن غيره لا يجعله لا متصفًا ولا فاعلًا، بل ذاته وحدها هي الموجبة لما كان قابلًا له، وإذا كانت ذاته هي الموجبة لما هو قابل له وذاته واجبة الوجود كان المقبول واجب الوجود له، وهو إذا قدر أنه قابل للضدين لم يخل من أحدهما؛ لأنه لو خلا من أحدهما لكان وجود أحدهما له متوقفًا على سبب غير ذاته، فإن التقدير أنه قابل له ووجود المقبول له ممكن، وقد عرف أنه لا يتوقف على غيره، وإن لم يكن موجدًا له ولم تكن ذاته موجبة له، وإلا امتنع وجوده، فإن غيره لا يجعله موجودًا له، وإذا لم يوجد لا بنفسه ولا بغيره كان ممتنعًا، والتقدير أنه ممكن، فما كان ممكنًا له كان واجبًا له .
فإذا قررت الحجة على هذا الوجه لم يحتج أن يقال: كل قابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، فإن هذه الدعوى الكلية باطلة، بل يدعى ذلك في حق الله خاصة، لما ذكر من الدليل والفرق بينه وبين غيره، فإن غيره إذا كان قابلًا للشيء كان وجود القبول فيه من غيره وهو الله تعالى وإحداث الله لذلك القبول لا يجب أن يكون مقارنًا للقابل، بل يجوز أن يتوقف على شروط يحدثها الله وعلى موانع يزيلها، فوجود القبول هنا ليس منه بل من غيره، فلم تكن ذاته كافية فيه، وأما الرب تعالى فلا يفتقر شيء من صفاته وأفعاله على غيره، بل هو الأحد الصمد المستغنى عن كل ما سواه، وكل ما سواه مفتقر إليه مصنوع له، فيمتنع أن يكون الرب مفتقرًا إليه، فإن ذلك هو الدور القبلي الممتنع بصريح العقل واتفاق العقلاء .