فهرس الكتاب

الصفحة 725 من 967

فهذا تقرير هذه الحجة الدالة على قدم الكلام، وأنه لم يزل متكلمًا، وهي تدل أيضًا على قدم جميع صفاته، وأن ذاته القديمة مستلزم لصفات الكمال الممكنة، فكل صفة كمال لا نقص فيه فإن الرب يتصف بها، واتصافه بها من لوازم ذاته، ولم يزل موصوفًا بصفات الكمال، وذاته هي المستلزمة لصفات كماله، لا يجوز أن يحتاج في ثبوت صفات الكمال له إلى غيره، والكلام صفة كمال، فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، كما أن من يعلم ويقدر أكمل ممن لا يعلم ولا يقدر، والذي يتكلم بمشيئته وقدرته أكمل ممن لا يتكلم بمشيئته وقدرته، وأكمل ممن تكلم بغير مشيئته وقدرته إن كان ذلك معقولًا .

ويمكن تقريرها على أصول السلف بأن يقال: إما أن يكون قادرًا على الكلام أو غير قادر فإن لم يكن قادرًا فهو الأخرس، وإن كان قادرًا ولم يتكلم فهو الساكت .

وأما الكُلاَّبية، فالكلام عندهم ليس بمقدور، فلا يمكنهم أن يحتجوا بهذه، فيقال: هذه قد دلت على قدم الكلام، لكن مدلولها قدم كلام معين بغير قدرته ومشيئته ؟ أم مدلولها أنه لم يزل متكلمًا بمشيئته وقدرته ؟ والأول قول الكُلاَّبية، والثاني قول السلف والأئمة وأهل الحديث والسنة .

فيقال: مدلولها الثاني، لا الأول، لأن إثبات كلام يقوم بذات المتكلم بدون مشيئته وقدرته غير معقول ولا معلوم، والحكم على الشيء فرع عن تصوره .

فيقال للمحتج بها: لا أنت ولا أحد من العقلاء يتصور كلامًا يقوم بذات المتكلم، بدون مشيئته وقدرته، فكيف تثبت بالدليل المعقول شيئًا لا يعقل .

وأيضًا، فقولك: لو لم يتصف بالكلام لاتصف بالخرس والسكوت، إنما يعقل في الكلام بالحروف والأصوات، فإن الحي إذا فقدها لم يكن متكلمًا، فإما أن يكون قادرًا على الكلام ولم يتكلم، وهو الساكت .

وإما ألا يكون قادرًا عليه وهو الأخرس .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت