فهرس الكتاب

الصفحة 729 من 967

وأما قولهم: وجود ما لا يتناهى من الحوادث محال، فهذا بناء على دليلهم الذي استدلوا به على حدوث العالم وحدوث الأجسام، وهو أنها لا تخلو من الحوادث وما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث، وهذا الدليل باطل عقلًا وشرعًا، وهو أصل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة، وهو أصل قول الجهمية نفاة الصفات، وقد تبين فساده في مواضع .

ولكن سنبين إن شاء الله أن هذا الدليل إذا ميز بين حقه وباطله، فإنه يدل على حدوث ما سوى الله وعلى مذهب السلف وكان غلطة منهم، وقولهم: كل ما لا يخلو من الحوادث أي من الممكنات المفتقرة فهو حادث، فأخذوا هذا قضية كلية، وقاسوا فيها الخالق على المخلوق قياسًا فاسدًا، كما أن أولئك قالوا: القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده، أخذوها قضية كلية .

والغلط في القياس يقع من تشبيه الشيء بخلافه، وأخذ القضية الكلية باعتبار القدر المشترك من غير تمييز بين نوعيها، فهذا هو القياس الفاسد، كقياس الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا، وقياس إبليس .

ونحو ذلك من الأقيسة الفاسدة، التي قال فيها بعض السلف: أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس، يعني: قياس من يعارض النص ومن قاس قياسًا فاسدًا، وكل قياس عارض النص فإنه لا يكون إلا فاسدًا، وأما القياس الصحيح فهو من الميزان الذي أنزله الله، ولا يكون مخالفًا للنص قط، بل موافقًا له .

ومن هنا يظهر أيضًا أن ما عند المتفلسفة من الأدلة الصحيحة العقلية، فإنما يدل على مذهب السلف أيضًا، فإن عمدتهم في قدم العالم على أن الرب لم يزل فاعلًا، وأنه يمتنع أن يصير فاعلًا بعد أن لم يكن، وأن يصير الفعل ممكنًا له بعد أن لم يكن، وأنه يمتنع أن يصير قادرا بعد أن لم يكن، وهذا وجميع ما احتجوا به إنما يدل على قدم نوع الفعل، لا يدل على قدم شيء من العالم لا فلك ولا غيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت